... ولكن يا أخ عبدالرحمن، ليس بشراء المنتج وإنما بامتلاك البنية البحثية الموصلة لتقنية الإنتاج والتصنيع يحقق الناس التطور.
بالضبط. يجيب مدير عام شركة الخليج لصناعة البتروكيماويات (جيبك) عبدالرحمن جواهري. اتفق معك. أقر لك بأن تراث البحث والتطوير ليس متأصلاً عندنا. ولكن هناك تغييرات. وهو ما حققه السعوديون وسابك تحديداً. بات لديهم قطاع متين بمنطقتي جبيل وينبع. فعندما استحوذت السعودية عبر سابك على جنرال إلكتريك كيميكالز لقاء 11.6 بليون دولار انتهت الصفقة بامتلاكهم لثلاثة مراكز أبحاث بالبتروكمياويات: بأميركا والهند والسعودية (بجبيل)، تعمل أساساً بالبحث النظري الخالص للبتروكيماويات.
وحققت سابك مستويات عالمية، لامتلاكهم لقدرات صرف على القوى البشرية وبما لا يقاس. يبتعثون شباب سعوديين لأرقى الجامعات، وتحولوا لإحدى أكبر الشركات العالمية بالبتروكيماويات، وبالذات بالأبحاث.
- في مركزَيْ أميركا والهند؟
- لا. لا. هناك أيضاً جهد مكثف بالسعودية. حقيقة بات مركز السعودية يسوق تراخيص لمنتجات بيئية وتجارية طورت لديهم. مثلاً، التقنية المعروفة بـ «الأسيتيك أسيد» طورت بالأساس بالسعودية. وهم يبعثون بسعوديين لإدارة مركزي الهند وأميركا.
كان ذلك بعض مقتطفات من حديث مطول مع جواهري. وتلفت النظر مسائل ثلاث: الأولى: إن الاهتمام بالبحث العلمي بدأ يأخذ طريقه نحو مؤسسات خليجية. فلربما اقتنعت بعض مؤسسات صناعية أنها لم تعد تريد المواصلة بتراث وصل إلينا من الدولة العثمانية حين عاصرت الدخول الأوروبي لعصر النهضة وما لحقه من صناعة وعلوم. فلقرون فضل العثمانيون شراء المنتجات الأوروبية بمافيها الأسلحة والمعدات العسكرية دون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث والتطوير. اقتنوا المنتج دون أرضية تطويره. فضلَّوا عالة.
الثانية: يشي ربط البحث العلمي بالصناعة والتجارة والتسويق بتوجه ينحو بعيداً عن تقليد آخر راكمته الحضارة الإسلامية، وهو اقتصار القدرات العلمية على الأشخاص والمفكرين والمخترعين الأفراد دون ربطها بحركة الإنتاج بالمجتمع. اكتشافات علماء الإسلام صبّت دوماً بإقامة عجائبيات وغرائب تنتهي لبيوت الأثرياء أو الحكام، بعيداً عن ضخها بأعصاب وشرايين حركة التجارة والصناعة المحلية لبث الحيوية بها. الاتجاه السعودي ربط ذلك بتطوير مادة خام تمتلكها المملكة والخليج بشكل عام.
الثالثة: ولا يعرف المرء إن كان الذي أدى إليها الصدفة أم التخطيط، وهو أن تقيم الدول الخليجية مؤسسات إنتاج خارج بلادها وتستفيد منها وتفيد بها دون ضرورة إقامتها على أراضيها واستجلاب كافة العاملين بها. لربما كان هذا اتجاهاً ملبياً للمحافظة على الهوية الخليجية من حيث عدم الحاجة لإقامة كل شيء بأرض الخليج، وإنما الاستفادة من القدرات المالية الخليجية لإقامة مؤسسات تخدم الاحتياجات الخليجية بكثير من مسائل وتقدم خدمات لها، دون الحاجة لاستقدام طاقات بشرية للخليج نفسه.
بقى أمر آخر: عدم إسباغ الإطلاق على النقاط الثلاث الماضية. فالأمر مرتبط بالأساس بشركة واحدة، وحالة واحدة، وتملك أياً من المسائل الثلاث يتطلب تراكمات أوسع وأعمق وأطول زمناً.
والأيام حبلى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق