الاثنين، 5 سبتمبر 2011

الويكيليكس الاقتصادية ... وواجبات السفير الخليجي

حمَلت وثائق الويكيليكس المنشورة أخيراً قدراً كبيراً من الاهتمامات الاقتصادية وأظهرت حجم الاعتناء التفصيلي الذي يبديه سفير أميركي بأية منطقة من العالم للمسائل الاقتصادية ضمن مجال عمله، وكما يبدو من مراسلات يجريها من مقر عمله مع عاصمة بلاده. ونتخذ البحرين مثلاً هنا. ومن ذلك رسالة رقم 000099  مؤرخة في 21 كانون الأول (يناير) 2004 وبعث بها السفير الأميركي في البحرين رونالد نيومن بين 2001-2004 إلى وزارة الخارجية الأميركية حول خلاف نشب بين شركة  التأمين الأميركية العملاقة إي آي جي (AIG) وحكومة البحرين حول نية مؤسسة نقد البحرين (مصرف البحرين المركزي لاحقاً) لإصدار قانون اعتقدت شركة إي آي جي حينها أنه سينال من قدراتها التنافسية. وتعرض الوثيقة للاجتماعات التي عقدت بين ممثلي الشركة والسفير والخلاصة التي توصل إليها. حينها طلب نيومان من مؤسسة نقد البحرين نسخة من مسودة القانون لإرسالها إلى لجنة كانت تتفاوض على تفاصيل عقد اتفاقية للتجارة الحرة بين البحرين والولايات المتحدة. وعند وصول المسألة عند هذا المنعطف، طلبت الشركة الأميركية ألا تكون هي الطرف المحدد الذي ينبغي إثارة المسألة حوله. إلا أن السفير نيومان اعتقد بأن هناك ما يكفي من المساحة التي تغطيها مسودة القانون مع مصالح شركات التأمين الأميركي بمجملها لوضع المسألة على طاولة النقاش حين الحديث عن مسألة التجارة الحرة.

وخصصت الرسالة رقم 000203 والمرسلة في 11 شباط (فبراير) 2004 حيزاً كبير، وهو متوقع، للحديث عن الأجواء المحيطة بمفاوضات اتفاقية التجارة الحرة. وتحدث السفير بها عن انطباعاته عن رجال الأعمال البحرينيين ويعلق قائلاً: «إن مجتمع الأعمال البحريني لا يزال حائراً حول كيف يمكن لشركاتهم المنفردة أن تستفيد من التغيرات القادمة في نظام التجارة.» وخلص إلى القول بأنه «يتوجب علينا أن نوسع من جهودنا لنصل إلى البحرينيين الذي يتفادون المخاطر لجعلهم ينخرطون في جهود مشتركة مع الشركات الأميركية للاستفادة من الفوائد الكامنة في اتفاقية التجارة الحرة.»

وتنتقل اهتمامات السفارة الاقتصادية لمنحى اقتصادي مختلف حين يهتم القائم بالأعمال الأميركي روبرت فورد بمتابعة شؤون قيام الاتحاد العام لعمال البحرين في رسالة مرقمة 000236 ومؤرخة في 18 شباط (فبراير) 2004 وتلاعب جمعيتي الوفاق ووعد السياستين بانتخابات جرت بالاتحاد حينها. ويخلص فورد إلى القول بأن «جمعيات المعارضة قد ذهبت بعيداً للتلاعب بانتخابات مجلس الاتحاد العام لعمال البحرين، مما يؤدي بالانتخابات لكيلا تكون حرة أو عادلة.»

وتمضي الوثائق قدماً في عرض طبيعة الانشغالات الاقتصادية ضمن مهام سفير أميركي يقيم بدولة خليجية. ولن يجد الدبلوماسيون الخليجيون دورة أفضل من قراءة وثائق الويكيليس المسربة للتدرب على أفضل الممارسات لكيفية ممارسات مهامهم.

فالعمل الدبلوماسي ليس هو بالأساس ترويجاً إعلامياً للدولة المعنية، وليس حفلات استقبال بالعيد الوطني ولا إقامة شبكة علاقات مع السياسيين في الدول التي يمثلون بلادهم بها. فهذه مهام تقليدية للدبلوماسيين، ولكن هناك مهام أخرى لا تقل جوهرية عنها. وفي مقدمة تلك الأمور الشؤون الاقتصادية.

وحتى لا يقع اللوم على سفراء أفراد، فالمسألة تبدأ في الإعداد الأولي للسفراء حين يتم تعيينهم ويقضون فترة تهيئة في ديوان وزارة الخارجية. هناك تغلب الشؤون السياسية وتتراجع المسائل الاقتصادية. وأحياناً تبرز مسائل تتعلق بالأمن وصفقات السلاح والعلاقات العسكرية. ووسط يقل الاهتمام بالمسائل الاقتصادية، ولربما اقتصرت على تلك المتعلقة بالنفط وإنتاجه وشؤون الأوبك والأسعار وقضايا العرض والطلب عليه بالأسواق الدولية.

ولكن الأمور تغيرت بالخليج، وأصبح الاعتناء بالشأن الاقتصادي في مقدمة واجبات دبلوماسيي دول مجلس التعاون، وبما يتجاوز الاهتمام التقليدي بقضايا النفط وأسعاره وتسويقه. فهذه أمور كلها باتت مساراتها معروفة. المهم الآن الترويج الاقتصادي للدول الخليجية مجتمعة وفرادى، وإيجاد مسارب جديدة لاهتمامات المصالح الخليجية إن كان تلك المرتبطة بالقطاع العام: كما الحال مثلاً في صناعات الألمونيوم والبتروكيماويات أو تلك المتعلقة بالقطاع الخاص أو تلك التي تهم القطاعين معاً كما الحال في الطيران أو السياحة. ومن المهم أن يأتي سفراء من وسط رجال الأعمال، وأن يتعرف السفراء المحترفون على طبيعة اهتمامات رجال الأعمال والإتيان بوسائل لخدمتهم على أفضل وجه.

ويجب أن تكون السفارات الخليجية متجه زيارة رجل الأعمال الخليجي الأول حين يتنقل في عواصم العالم سعياً وراء استكشاف الفرص، وعقد الصفقات أو عند بروز نزاعات. دول مجلس التعاون تتحول سريعاً نحو قوة اقتصادية لها مصالح تتجاوز شؤون النفط. ويتسارع هذا التبلور مع ازدياد سياسات التنويع الاقتصادي. و يخرج رجال الأعمال الخليجيين لعالم به تنافس اقتصادي واسع وشديد. وهم يتحولون سريعاً من مصدر تمويل مالي لمؤسسات قائمة في الغرب إلى رجال أعمال منتجين يريدون تسويق بضائعهم. وهم في كل ذلك يحتاجون لقدر كبير من المعلومات الاقتصادية ولدعم دبلوماسي ولشبكة اتصالات مع رجال الأعمال بالعالم. والسفارات والملحقين التجاريين هم خيارهم الطبيعي والأفضل  إن أرادوا الاستمرار والنجاح في أدوارهم الجديدة.

في بدايات القرن الماضي وحين كانت العلاقات التجارية قائمة بين تجار الخليج ومناطق نشاطهم في سواحل الهند وشرق أفريقيا، رتب التجار أنفسهم بحيث يكون هناك دائماً أشخاصاً مبرزين منهم ومجالس مفتوحة يلجأ إليها القادمون للحصول على النصح والدعم. والمطلوب استعادة ذلك التقليد وأن تصبح السفارات بدل بيوت التجار هي الموقع المناسب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق