الثلاثاء، 25 يونيو 2013

لماذا يحرم الكُتاب الخليجيون من ثمار إبداعهم

هناك مجالات عديدة للنشر في الخليج، ولكن لا يوجد بينها إلا أقل قليل من دور نشر تجارية تقتفي شروط النشر المعتادة في الدول والاقتصادات المتقدمة، فتفيد وتستفيد. في صناعة الكتاب المتقدمة، يبحث أصحابها عن كتابات مبدعة تجتذب القراء فيصوتون لها عبر شراء تلك النتاجات. ومن خلال تلك العوائد تغطي دور النشر تكاليفها طباعةً وتوزيعا. وتمنح حصة للكاتب تتراوح بين 5% إلى 12% من المبيعات. وبينما يحرص الكاتب على إنتاج نصوصٍ جاذبة الجمهور، تجهد دور النشر للتفتيش عن كتابات لمؤلفين ناجحين.

وجود مثل هذه الممارسة للنشر هي التي نقلت الكاتبة البريطانية جي كي رولنغ من حال إلى حال لنشرها لسلسلة رواية هاري بوتر في الخيال العلمي. وهناك أرقام عدة لمبيعات الكتاب تتراوح بين50 مليون نسخة إلى 110 مليون وحتى  512 مليون نسخة. وهذه فقط أعداد الكتاب الورقي بعيداً عن حقوق نشر دفعتها شركات إنتاج سينمائي، وتلفزيوني للكاتبة. وإذا أخذ أقل الأرقام وهو الـ 50 مليون، وحُسب لكاتبته مبلغ دولار ونصف من كل 15 دولار أميركي كسعر متوسط للكتاب لحصلت الكاتبة على 75 مليون دولار مرة واحدة. ولكن ما حصلت عليه رولينغ يفوق ذلك كثيراً.

وهناك الكاتب ستيفن هوكنغ العالم الشهير والمُقعد والذي يقدّر أنه قد باع من كتابه «تاريخ مختصر للزمان» 10 ملايين نسخة على الأقل ويتراوح سعر الكتاب بين 15 و30 ودولار بحسب فخامة الطبعة المنشورة ولو حصل المؤلف على 10% من حقوقه كباحث لحصل على مبلغ 75 إلى 150 مليون دولار كعوائد. وبالطبع ليس كل الكتاب مثل رولينغ وهوكنغ. بل إن رولينغ نفسها قد واجهت صدوداً من دور النشر في البداية، تحول إلى قبول الناشر لها وتنافس الناشرين للنشر لها.

لن نحصل على كاتبة كرولينغ أو مبدع كهوكينغ إن لم نتمكن من إيجاد آلية لاحترام حقوق الإبداع، وحماية المبدعين، وحثهم على الإنتاج. سنحصل على كتاب عاديين، ومخترعين متواضعين، ومؤلفين دائمي التفكير في الهجرة إلى بلاد أخرى تحترم فيه سياسات النشر المتقدمة. وبهذا الصدد أتذكر ما قاله كاتب إنجليزي يعيش في البحرين وكتب كتاباً عنها ونشره قبل أشهر حين قال أن في بريطانيا يحصل الكاتب على عوائد من ريع نشر الكتاب، والأمر بعكس ذلك في البحرين حيث يتوجب عليك أن تدفع لتنشر كتابك.

المبدعون الخليجيون محرومون من هكذا فرص، ومثلها خدمات. وحالياً هناك عدة طرق للكاتب الخليجي لينشر نتاج إبداعه.

الأولى: أن ينشر الكتاب على حساب جهة حكومية وتعطى له كمية من النسخ (80 إلى 100) نسخة. وتنتهي علاقته بالكتاب هنا. وليس هناك من رابط تجاري بين توزيع الكتاب وإقبال القراء عليه وما يناله صاحبه الكتاب من عوائد.

الثانية: أن ينشر الكتاب على حساب فاعل خير: وتعطى نسخ للمؤلف لكي يتصرف بها. ونادراً ما يحصل على مردود فعلي مشجع. وكما السبيل الأول، فليس هناك من رابط كمي بين النسخ المباعة والعوائد بشكل يستحث همة الكاتب لإعادة التجربة.

الثالثة: وهي الأمَرّ،  حين نشر المؤلف لكتاب في دار نشر خارج البحرين. تضع بعض دور نشر خارجية الكاتب في أجواء أن سوق النشر كاسدة، وأنها تأخذ المخاطرة حين نشر كتابه، وأول شروط النشر بالنسبة لها هي أن يتنازل الكاتب عن حقوقه كمؤلف، ويقنع من كل ذلك الجهد بأن تنشر الدار كتابه. هذا أكثر الطرق مدعاة لإصابة المؤلف الخليجي بالإحباط وإن ارتضى عملياً بالأمر.

وعلى مدى العقود الخمسة الماضية نشرت دور نشر خارج عواصم الخليج إبداعات دون أن يستفيد أصحابها من إبداعهم. بل وأوصلتهم سياسة النشر هذه إلى قناعة بأن كتاباتهم ليست بتلك الأهمية التي اعتقدوا أنها ترتديها.

الحكومات الخليجية وعلى تفاوت واختلاف، كلها لديها طرائق للنشر تعطي فيه المبدعين الخليجيين مبالغ تزيد أو تنقص من المال لقاء نشر كتبهم في مطابع الدولة. ولكنها لا تسوق الكتب وليس هناك مجال للربط بين الأهمية الإبداعية  والسوق. فيتساوى لديها من كتب وأضاف جديداً ومن أتى بأقل من ذلك. وهي تعتمد في ذلك على تراث من أيام الدولة الإسلامية قديماً. حينها كان الكتاب يكتبون ويهدون عملهم لخليفة أو لوال. لم يكن هناك من رابط بين الكتاب وأثره في مجرى المعرفة والتغيير. وكان رأس الدولة يرد التحية بأحسن منها، فيخلع على الكاتب خلعة. وينتهي الأمر عند هذا التبادل. وما يتم في دول الخليج هو استعادة لذلك الجهد على تفاوت.

يحتاج المبدعون الخليجيون لشيء غير هذا. يحتاجون إلى دار تنشر على أساس تجاري، فلا تنزع حق النشر، وهو حق أصيل، من صاحب الكتاب، وأن تربط بين تسويق الكتاب وبين العائد المعطى للكاتب. يودون نظاماً يسمح ببروز انعكاس جودة التأليف، والجهد المبذول في العمل، وللتنافس بين المؤلفين. وحين يلمس القراء تلك العوامل سيقبلون على شراء الكتب على ضوء تفاوت المستوى.

وحتى نصل لذلك، سيبقى المؤلفين يشعرون بخيبة أمل، ومرارة في النفس، ونكوصاً عن الخلق. والمطلوب هو إيجاد أجواء تساعد دور النشر المحلية لتكون في مقدمة المتبنين للإبداعات والمسوقين لها. وبدل الحديث عن كساد سوق الكتب، يكون التشجيع لكل ما يَبث فيها الصحة والتطور والتنافسية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق