الثلاثاء، 16 يوليو 2013

المواصلات البحرية: تاريخ وسياحة واقتصاد

تزايد الحديث في الأربعة أسابيع الماضية عن تنشيط المواصلات البحرية بين البحرين والسعودية وأهميتها، إثر تفاقم مشكلة الازدحام المروري لحافلات الشحن الضخمة العابرة لجسر الملك فهد الرابط بين البلدين. فرغم جودة طرق البحرين واتساع شبكة المواصلات المحلية بها، إلا أن ذلك الإنجاز لم يقابله جهد آخر لإيجاد فضاءات مواقف للشاحنات. ووسط جدل لحل الازدياد المتعاظم للناقلات الضخمة، أُشيرَ لماماً لمسألة الاستفادة من النقل البحري. وكتبتُ حينها عموداً نشر في أخبار الخليج البحرينية داعياً لبحث النواحي التجارية لإعادة تنشيط المواصلات البحرية بين البحرين والسعودية، وهو خيار يدعمه التاريخ والجغرافيا. وينطبق على ذلك الحال قول بأنه في الاقتصاد تشكل التحديات في كثير من الحالات فرصاً، قد تخطئها عيون كثيرة ولكنها لا تمر على حواس المستثمر المحترف.

وكانت مصلحة الجمارك السعودية قد أعلنت أن الإيرادات الجمركية بلغت عام 2012، 1.8  مليار دولار بزيادة 13.5% عن عام 2011. وتشكل نقطة الجسر مع البحرين أحد منافذ جمع تلك الرسوم.

بعدها نشرت الوسط البحرينية وجود أفكار لتنشيط خطوط بحرية بين البحرين والسعودية. ونقلت الجريدة عن رجل الأعمال البحريني خالد كانو أن شركة أجنبية تدرس الإمكانيات التجارية واللوجستية لتنشيط الاتصال البحري بين المملكتين. وأن مجموعة كانو ذات التواجد القوي على جانبي الجسر تدرس هذا المشروع. كما أن الرئيس التنفيذي لشركة أي بي إم تيرمينالز، ماركو نيلسون، كشف للوسط عن فكرة مشابهة. وشركته هي المكلفة بإدارة ميناء الشيخ خليفة. وأدهش الرجل كل التوقعات حين أشار لاحتمال أن ينجز المشروع قبل 2013.

وقد بلغ عدد الشاحنات التي عبرت بوابات رسوم المرور في الجسر خلال عام 2011، 351,315 شاحنة أي ما يعادل 1000 شاحنة يومياً. وسجلت المركبات بمختلف فئاتها والتي عبرت بوابات الرسوم خلال عام 2011، 6،207،938 مركبة بمعدل يومي بلغ 17,008 مركبة. وبمقارنته بالعدد الكلي للمركبات لنفس الفترة من عام 2010 والذي بلغ 7,919,058 مركبة بمعدل يومي وصل إلى 21.696 مركبة. ويسجل ذلك تراجعاً بنسبة -21.61%.

وأضحى ازدحام الجسر بمثابة عامل ضاغط على الجهات المعنية لإيجاد حل لتحديات سببها نجاح الجسر الفائق في الربط بين المملكتين، وهو تسهيل وَصَل، في واقع الأمر، برياً بين البحرين وسائر دول العالم وفي مقدمتها دول مجلس التعاون الخمس.

ونقل موقع أرقام الاقتصادي أن يوم 6 يوليو الجاري سجل مرور جسر الملك فهد رقماً قياسياً في أعداد العابرين خلال يوم واحد، إذ بلغ العدد 100 ألف مسافر، منذ افتتاحه في 1986. وتجاوز في ذلك أعلى رقم سابق بلغ في يناير الماضي 94 ألف مسافر.

وقد بلغ عدد العابرين لجسر الملك فهد عام 2012، 17.624 مليون مسافر بمعدل يومي فاق الـ  48 ألفاً، بزيادة عن 2011 وبنسبة 22%.

وكان وزير المواصلات البحريني كمال أحمد قد تطرق لموضوع الوصل البحري في تصريح لجريدة الاقتصادية بيّن فيه أن جسر الملك فهد، أتاح لرجال الأعمال فرصة النقل البري بين البلدين بكلفة أقل، وشجعهم على استخدام نقل البضائع عبر الجسر والتخلي عن النقل البحري الذي يتطلب مبالغ مالية كبيرة لشحن البضائع.

وبالطبع بتغير الظروف تتغير الأشياء. وما كان غالياً يوماً ما ربما بات أكثر اقتصادياً الآن وخاصة مع اكتظاظ جسر الملك فهد. ثم أن عديد من المؤسسات التجارية قد عبّرت عن قلقها إزاء تزايد الاكتظاظ. وبدورها بيّنت غرفة تجارة وصناعة البحرين أن استمرار المشكلة بلا حل لوقت طويل قد كبد شركات ومؤسسات عاملة بالبحرين خسائر كبيرة لتراجع قدراتها التصديرية بنسبة غير مسبوقة. وتَلَفت منتجاتها لتأخر تسليمها.

وعبر عن ذلك رئيس غرفة التجارة الأمريكية بالبحرين قيس الزعبي في لقائه مؤخراً مع رئيس غرفة صناعة وتجارة البحرين عصام فخرو فأبدى الأول قلقه من استمرار مشكلة تكدس الشحنات على الجسر. وأضاف بأن هذا أمر أدى لتراجع إمكانيات تصديرية لشركات أمريكية مقرها البحرين، وتستهدف السوق الخليجية وخاصة السعودية، وتعتمد على جسر الملك فهد في تصدير منتجاتها لدول المجلس. وطالب بمعالجة هذه المشكلة بشكل عاجل، خاصة وإن مصانع وطنية كثيرة اضطرت لتقليص العمل والإنتاج والتريث في أي خطط للتوسع ولاستثمارات جديدة لحين حل مشكلة التكدس.

ويشير هذا السرد كله إلى بروز مشكلة سببها نجاح الجسر في الربط البري. ووسط تزايد أصوات تتحدث عن ربط بالقطار لدول الخليج الست إلا أن ذلك لا يحجب أهمية استعادة طريقة اتصال ربط بين دول الخليج الست منذ بدء التاريخ. وهو يستمد قدرته على الاستمرار من جغرافيا المنطقة التي تتمتع دولها بسواحل طويلة على الخليج العربي وبحر عمان وبحر العرب. وترابَط اقتصادها على مر التاريخ بتلك المسطحات المائية: غوصاً على اللؤلؤ وممارسة للنقل البحري والتجارة.  وحتى الآن انتبهت بعض جهات اقتصادية لأهمية المواصلات البحرية السياحية فأنشأت بضع رحلات تنقل سواحاً تمر بهم على موانئ المنطقة. ولكن الكثير من الأمور السياحية يحافظ عليها من باب امتاع السياح عبر اطلاعهم على ظروف وأسباب وُجدت قديماً وأصبحت من الماضي كاستخدام الإبل كوسيلة مواصلات بالصحراء. ولكن استعادة البحر كوسيلة مواصلات واستخدام السفن الحديثة للشحن والسفر ليست مشابهة. فاستعادتها تعطي خياراً إضافياً لنقل السلع والبشر. وهو ما ستفعله أيضاً سكة الحديد إن أقيمت.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق