أخيرا حقق مجلس التعاون نقلة فارقة في حياته، وتبني مبدءا دستوريا يصلح للحكم بموجبه على حيثيات الاقتصاد كما السياسة، بل وكما كل شيء. يقول المبدأ: من حق كل دولة فعل ما تريد شريطة عدم الإضرار بأي دولة من المجلس. وبالوقت ذاته دون أن يمس تطبيق المبدأ بسيادة أي دولة. وبتطبيق ذلك على الخلاف القطري الخليجي: ستتراجع قطر عن إجراءات وسياسات أقدمت عليها وهي تضر بفرقاء آخرين في الاتحاد.
لم أكن شديد الحماس لسحب السفراء والضغط على دولة اختلفت مع بقية الأعضاء، وتوجست خيفة من أن يؤثر ذلك على جوانب ديمقراطية بالمجلس. وتلك جوانب أفادت مجلس التعاون، وأدى غيابها إلى ترنح التجربة اليمنية. والمبدأ الجديد يضع الأساس لأمرين: الأول تغليب المصلحة الجماعية على المحلية، والثاني أنه يستمر في إعطاء حيزاً كبيراً في التصرف الداخلي الفردي.
حينما سحبت الدول الثلاث السفراء، امتنعت عمان والكويت عن السير في نفس الاتجاه. الكويت احتفظت لنفسها بهامش يمكنها من لعب دور الوسيط، وقيل عن تفهم عماني لموقف قطر. تمكنت الكويت من التوصل للحل الأخير. ورحبت عمان بالاتفاق، وكما رشح من مقابلة لوزير الخارجية العماني يوسف بن علوي في جريدة الحياة ، وأكدت على أن الخلاف بات من الماضي.و صرح وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل الثلثاء الماضي رداً على سؤال عن الأزمة بين المملكة وقطر «مجلس التعاون مبني على قاعدة حرية الدول في سياساتها شريطة عدم إيذاء الدول الأخرى.» وطالما التزم الأعضاء بهذا المبدأ فلا خوف عليهم.
وحقيقة سيمر زمن لن يلتزم فيه الأعضاء.
فحينما خضع الخليج لسلام بريطاني بعد حملة 1919 على إمارات خليجية اشتملت اتفاقية الصلح على التوقف عن ديمومة الحروب القبلية، وفرضت على القبائل والإمارات أنه وقبل الانغماس في أية نزاعات، يتوجب إعلان الحرب على الطرف المعني، مدعوم بأسباب. وأوجد ذلك البند أساسا قانونيا تطلب قرنا من الزمان ليستقر في الممارسة الفعلية.
وسينطبق الحال على الاتفاق الخليجي الجديد. فسيمر زمان قبل أن يستقر الحال ويلتزم الأعضاء بالمبدأ. ولكن بات لدى جميع الفرقاء مبدأ يلتزمون به، ويطبق لمعالجة أي اختلاف في المستقبل. من الناحية النظرية، وبعيدا عن الأهمية السياسية والأمنية للكتلة الخليجية، لا تحتاج دول الخليج اقتصاديا كل منها للأخرى. فحتى البحرين وعمان اللتين لا تنتجان نفطاً بنفس الوفرة، إلا أن الجميع جرب الأهمية النافذة للتكتل الاقتصادي، وهو ما لم يتم للتجارب االعربية السابقة.
وتأتي عمان في مقدمة الأمثلة على ممارسة حق الإختلاف بأشياء والإصرار على المضي في سياسة التوحيد الاقتصادي. ولفت الانتباه الموقف العماني المقلل من أهمية الخلاف السعودي البحريني الإماراتي مع التأكيد على متانة التكتل الخليجي وقدرته على تجاوز المطبات، وكما أظهرته مقابلة بن علوي الأخيرة مع جريدة الحياة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق