بين فترة وأخرى أتردد على كيمبردج المدينة الأكاديمية العريقة التي عشت بها ردحاً من الزمن، والتي احتفظَت دوماً بحضور عربي يقل أو يزيد، وبينه تواجد خليجي، ليس بالكبير ولكنه مميز.
باتت اللقاءات العربية تنعقد في مقهى يافا، وهو مقهى للإنترنيت كما أنه مكان لتدخين الشيشة، ويغشاه الكثير من العرب كما الأجانب. وأحياناً لا يخلو المكان من جنود إنكليز اعتادوا تدخين الشيشة، فيأتون ليمضوا بعض الوقت بالمكان.
دارت أحاديث الجمع في هذه المرة حول أمور مجلس التعاون الخليجي المشترك. وبرزت من بين أمور مسألة أن هناك تفاوت في الدخول بين دول الخليج المختلفة، وأن هذا يتطلب توزيع الدخول وأن يقوم الأغنى بمساعدة الأقل حظاً. وجرت مقارنة الوضع بأوروبا، وكيف ساعدت الدول الأوروبية الأكثر تقدماً بعضاً من الدول الأقل تطوراً لكي تستطيع أن تلحق بها وتستطيع أن تنضم للسوق الأوروبية المشتركة.
وحين يجري الحديث عن من هي الدول التي يمكن أن يطبق بحقها أو عليها هذا المبدأ يشار دوماً إلى قطر وبدرجة أقل الإمارات.
باعتقادي أن هذه النظرات ليست صحيحة من جانب، وهي غير مفيدة من جانب آخر. كما أن المقارنة بالسوق الأوروبية بها شيء من عدم الدقة. ولأبدأ بالمسألة الأخيرة.
تقوم السوق الأوروبية على مبادئ أساس توغل في التاريخ قدست الحريات والملكيات الفردية وأوجدت الأسس للديمقراطية التي تطورت ونمت حتى وصلت إلينا في القرن العشرين. ونجد أن دول السوق الأوروبية تشترط، قبل الجغرافيا، تبني هذه المبادئ كشرط أساس لاستكمال شروط الانضمام. فلا تكفي أن تقع دولة ما في أوروبا لكي تنتمي للسوق، وإنما يتوجب عليها أن تؤمن بتلك المبادئ وتطبقها قبل تمتعها بحقوق الانتساب. وهذا ما جم د لفترة من الزمن انضمام اليونان للسوق قبل عقود، وما يقف جزئيا بوجه انضمام تركيا حالياً.
ويشكل احترام الملْكية الفردية وتقديسها مبدأ أساس من مبادئ السوق الأوروبية. وهكذا فحينما تساعد الدول الأغنى بعضاً من الدول الأفقر فلا يتم هذا على أساس أن للدول الأفقر "حقاً" لدى الدول الأثرى، وإنما يتم ذلك من باب أن الدولة، أو الدول الممثلة في منظمة السوق الأوروبية المشتركة، تفرد جزءاً من ميزانيتها للتطوير، وليس لإعادة حقوق. وإذا لم تكن تلك المساعدات مبنية على هذا الأساس، ينهار النظام، ولا تعود التركيبة القائمة على أن الحقوق الفردية هي مرتكز المجتمع.
ولا تعمل الدول الأقل تطوراً على أساس أن لها حقاً في أموال الدول الأكثر قدرات، وإنما تنظر إليها على أنها دول حققت إنجازات وراكمت ثروات، وتعمل الدول الأقل نمواً جاهدة لاقناع الدول الأخرى بمساعدتها لكي تتمكن بدورها من تحسين أوضاعها وبالتالي تستطيع أن تسهم في المجموعة بشكل أفضل.
لذلك فبعض الأفكار التي قد تنتشر في أوساط بعض الخليجيين قد لا تكون صحيحة، ولربما ليست مفيدة، ليس فقط للدول الأكثر ثراءاً بسبب وجود ثروة طبيعية ما كالبترول أو الغاز وإنما لتلك التي حققت نجاحاتها بناء على عمل شعوبها كما الحال في دبي.
بل هي قد لا تكون مفيدة لدول لا تزال تعمل على تحسين قدراتها وتحتاج لأن تنغمس في مزيد من الجهد والخلق والمراكمة لكي تلحق بالدول الأخرى، ولكي تتنافس معها بل وتقدم أفضل منها. وهي في سعيها هذا تحتاج لكل الدعم المعنوي والمادي من قبل دول المجموعة. ومثل هذا الأفكار ذات النزعة السوائية المطلقة قد ثبت فشلها في الدول الاشتراكية، ولا تزال الدول العربية التي تبنت مثل تلك الأفكار تعاني الأمرين من هذه التركة.
من حق المواطنين الأقل تعليماً أو إمكانيات أو ثراء أن يعملوا ليل نهار وأن يطالبوا بالمساعدات من الهيئات الخليجية المعنية بتطوير مختلف المجتمعات الخليجية وضمان أنها تحصل على نفس الفرص. على أن كل ذلك يجب أن يتم ضمن أسس مجلس التعاون.
وليس هناك الكثير من الأسس في اتفاقية مجلس التعاون الأصلية. ولكن لربما يفيد بعض الشيء لو استعاد المرء ما ورد بالمادة الرابعة من نظام إقامة المجلس. تحدد تلك المادة أن من بين أهداف تأسيس المجلس: تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولا الى وحدتها وتعميق وتوثيق الروابط والصلات وأوجه التعاون القائمة بين شعوبها في مختلف المجالات ، ووضع أنظمة متماثلة في مختلف الميادين بما في ذلك الشئون الاقتصادية والمالية.
وتضيف لذلك دفع عجلة التقدم العلمي والتقني في مجالات الصناعـة والتعدين والزراعـة والثروات المائيــة والحيوانية وYنشاء مراكز بحوث علمية واقامة مشــاريع مشــتركة وتشـــجيع تعاون القطاع الخاص بما يعود بالخير على شعوبها.
تفتح كل تلك النقاط إمكانيات للتعاون وطلب تطوير المناطق والمجتمعات الخليجية، دون أن تضغط على الأثرى والأكثر عملاً وإنجازاً دون وجه حق، وتزيل أية قيود على الدول أو الأفراد قد تحد من رغبتها في التقدم وعملها لأجل ذلك.
إلا أن شيئاً لا يجب أن يمس، وهو قدسية الملكية الخاصة، والحق الصافي والمطلق لك دولة ولكل شعب في ثرواته ونتائج عمله، ولا يجب مد مبدأ السوائية المطلق، المنتشر في دول عربية، إزاء ثروات الخليج المختلفة، وإلا بدأنا في وضع أسس لانهيار الثقة بين الدول الخليجية، مما قد يؤدي لتضعضع مجلس التعاون.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق