الخليجيون هم أصحاب فكرة القمة الاقتصادية العربية ومستضيفو القمة الأولى وعن قريب الثالثة بالرياض. استفادوا من تجربتهم الذاتية بمجلس التعاون وحاولوا نقلها للدول العربية علها تكون فاتحة خير لتجاوز الأداء المحبّط للقمم العربية وللعمل العربي المشترك الذي أورث المرارة والاكتئاب بالنفس العربية. وهي محاولة للانتقال بالاقتصاد من الإنشاء والإعلام إلى عالم الواقع والعملية والمعاصرة والاستجابة لمتطلبات العصر ولتحقيق أمن قومي لسائر الدول العربية بما فيها الدول الخليجية. وهناك أمور عدة بهذا المجال.
أولها: لا يعرف المرء إن كان من المستحسن للقمة أن تجول بين العواصم كل بحسب نجاحها الاقتصادي وليس بسبب مكانتها السياسية أو ثقلها السكاني أو التاريخي. فالمتوقع للقمة على الأرجح أن تنتقل بحسب مقاييس تقليدية حول الوزن السياسي لكل دولة عربية ضمن المنظومة العربية. وهذا تصنيف لا يبدو أنه يقوم على الكفاءة السياسية ولا الفعل الاقتصادي وإنما يقوم على أساس تاريخ كتب قديماً، وحجم لسكان ومقاييس ثابتة بعيدة عن الحركة وضمن منظومة لا تفسح المجال لتجديد مكانة الدول القائدة والمؤثرة.
ولا بد من اعتماد مؤشرات عالمية مقبولة لقياس نجاح الدولة الاقتصادي لتكون مضيفة للمؤتمر، تفادياً للعب بالوقائع قد تلجأ إليه دول عربية كبرى بالمستقبل لتفرض إرادتها على دول متوسطة وصغيرة بينها الدول الخليجية. وهكذا تصبح استضافة القمة الاقتصادية تشريفاً واعترافاً بإنجازات الدولة المضيفة وتسليطاً للأضواء على آلية تقدمها وبالتالي إفساح المجال للترويج لها ولنشر دروس قصص نجاحها. القمم العربية الاقتصادية مهددة بأن تهيمن عليها دول عربية ذات أداء اقتصادي رديء تستمر في فرض قيادتها على الدول العربية، ويملأ اقتصادها الصدأ والفساد والركود وتفرض نفسها قيادتها دون أية كفاءة اقتصادية.
الأمر الثاني: إن حضور القمم الاقتصادية مهم على الجميع وانتظام الحضور لايقل عنه أهمية. ويبدو أن الأمر الثاني بات مضموناً حيث أن السعودية قد دعت لعقد القمة الثالثة بعد سنتين في الرياض. وما دامت الاستضافة خليجية فعناصر النجاح فيها كبيرة لامتلاك الخليجيين لخبرة بهذا المجال. فقد حافظ مجلس التعاون الخليجي على انتظام اجتماعاته وتواتر التقاء هيئاته المختلفة عبر عقود ثلاثة من عمره. ولكن لا يزال العرب وبينهم خليجيون بحاجة للالتزام بمستوى التمثيل باجتماعاتهم. وبدا أن التمثيل بقمة شرم الشيخ إن كان بعدد الحضور أو بالمستوى أقل من المتوقع والمطلوب. ولا يدري المرء كيف يمكن أخذ الشؤون الاقتصادية على محمل الجد، وسط عدم إيلاء الحضور ومستواه العناية اللازمة.
الأمر الثالث: لنجاح القمم الاقتصادية ينبغي وضع مقاييس للنجاح الاقتصادي بالدول العربية. ولتفهم المصاعب التي تواجه بعض تلك الدول، ينبغي فهم النجاحات التي حققتها دول أخرى بالعالم ولكن وبنحو خاص دول الخليج لقربها الجغرافي وتماثل نسيجها الاجتماعي مع المحيط العربي. حيث أن الصورة القائمة قومياً هي أن دول الخليج تقدمت اقتصادياً لامتلاكها نفطاً وفوائض مالي. وهذا جانب من الأمر وليس بالأمر كله، فالدول الخليجية ليست هي الدول العربية الوحيدة التي لديها نفط، ولكنها تمكنت من توظيف النفط بشكل صحيح. ولم تتمكن دول الخليج من دخول نادي الدول الاقتصادية شبه المتقدمة إلا بالعقد الماضي وبعد أن تبنت جملة حلول وسياسات معتمدة دولياً. ولا تزال يكتنف ذلك الدخول المخاطر ويحيط به الكثير من المنزلقات. ولا تزال اقتصادات الخليج تختزن الكثير من جوانب التخلف التي تقتضي إعادة النظر إن أراد أهل الدار لبلادهم أن تنضم للاقتصادات المتقدمة والمزدهرة عالمياً.
والداعي لقول مثل هذا الأمر هو أن تبني مفهوم صحيح حول هذا الأمر مهم لتأكيد سياسات التقدم الاقتصادي ولتفادي أن تصبح الملتقيات الاقتصادية مواقع فرض ضغوطات سياسية على الدول الخليجية لتقدم معونات اقتصادية غير مبررة تحت وطأة مفاهيم مغلوطة عن أسباب تقدمها وواجباتها إزاء محيطها. ويستوقف النظر هنا سؤال وجهه مراسل إذاعة العراق الحر محمد كريم للخبير الاقتصادي ستار البياتي عن وضع العراق الاقتصادي وعن تأثير قمة اقتصادية عربية عليه وعلى فرص إخراجه من أزمته فقال: إن الأزمة محلية ووطنية بالدرجة الأساس ويجب حلها على هذا المستوى.
تصلح رؤية ستار البياتي هذه لينظر كل مسؤول أو خبير اقتصادي عربي إلى منطقته من هذا المنطلق. فمعرفة أن المصاعب داخلية ومواجهتها بالأساس تتم بحزمة حلول محلية هي الرؤية الأصح والأنجع والأفضل.
رابعاً: إن أحد أهم قرارات القمة الأخيرة هو التأكيد على أنه و«استكمالا للمبادرة التي أطلقها أمير الكويت لإنشاء صندوق لتمويل الصناعات الصغيرة والمتوسطة للقطاع الخاص برأسمال ملياري دولار واقتناعا منا بما تمثله هذه المبادرة من إضافة قيمة للاقتصاديات العربية نعرب عن ترحيبنا بإطلاق الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي،» كما ورد في البيان الختامي لقمة شرم الشيخ الاقتصادية.
كانت هذه فرصة لكي تقف القمة أمام هذه المبادرة وتتحدث بشكل واضح ومحدد عن المسؤولين عن تمويل المبادرة، من دفع منهم ومن لم يدفع. وأن تعلن عن آلية العمل بهذا الصندوق وأطر مراقبته، إن لم تكن قد فعلت دون أن يرشح شيئاً من ذلك.
ويبقى أن منتجع شرم الشيخ قد شهد الكثير من الإنشاء والقليل من الاقتصاد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق