سبب كتابة الموضوع صدور تقرير لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو) في 182 صفحة عنوانه: الحشرات القابلة للأكل: آفاق المستقبل لأمن الغذاء والتغذية. وقد تعاونت الفاو وجامعة واجنينجين الهولندية في إصداره. إذاً المسألة جد الجد، ولا مجال للتفكه في الحديث عنها.
يبين التقرير أن سبب بحث الموضوع هو ما بات معروفاً أنه وبحلول عام 2050، سيبلغ حجم سكان العالم، 9 بلايين نسمة، وسيتوجب مضاعفة إنتاج الغذاء. واستجابة لهذا التحدي ولإيجاد غذاء كاف، ينبغي لمجتمع دولي يضم بين جنباته بليون جائع دائم أن يبحث عن مصادر غذائية جديدة. ومن ذلك قبوله باستهلاك الحشرات! وهذه دعوة ستولد جدلاً بين البشر، مابين قبول واستنكار بين الجماعات والشعوب والثقافات المختلفة.
لم تخل موائد الناس في عموم الأرض والأزمنة من الحشرات كغذاء. أقبلت عليها جماعات وقرفت منها جماعات أخرى. وارتبط سلوك الرفض أحياناً بتحريم ديني. وأفرد بحث الفاو مساحات واسعة لدراسة العوامل الموضوعية وتلك المتعلقة بعادات شعوب وتقاليدها. ولكن ومن أجل السير قدماً في التفكر بالموضوع تحدد الدراسة أربع مسائل يجب أن تُواجه لأجل تحقيق اختراق بنمط رؤية المسألة قيد الدرس. أولها: إنجاز تدوين أكبر حول القيم الغذائية للحشرات ليتسنى لترويجها كغذاء صحي أن يكون أكثر كفاءة. والثاني زيادة الأبحاث حول تربية الحشرات وحصادها لتتضح المقارنة بين آثار ممارسة الزراعة وتربية الحيوان التقليدية وما إذا كانت أكثر تخريباً للبيئة مقارنة بالتوجه للحشرات كمصدر للغذاء. ثالثاً: تنامي الحاجة للشرح والتوضيح ولزيادة التوثيق للفوائد الاجتماعية والاقتصادية المجتناة من جمع الحشرات وتربيتها،
وبالذات فيما يتعلق بالأمن الغذائي للفئات الأكثر فقراً في المجتمع. وآخرها: تزايد الضرورة لتأسيس إطار قانوني أكثر شمولية وجلاءً يفسح المجال أمام مزيد من الاستثمار، وليقود إلى تطوير شامل (على المستويات جميعاً: من المنزل وحتى المستوى الصناعي) للإنتاج والتجارة الدولية بمنتجات الحشرات لتصبح مصدر غذاء للبشر.
إذا بات الأمر جَدا! وما عاد تناول الحشرات مصدراً للتعيير وتبادل النكات بما يشبه التفكه بين مدينتين أو جماعتين بشريتين. وتورد الدراسة أنه ليس أكثر مدعاة لاشمئزاز النفس البشرية من مقارنة عادات الأكل والمواد المتناولة بين الشعوب.
بأية حال ربما كان ما سبق ذكره كافياً لجلب الانتباه للموضوع. وتبقى بعض التجارب الشخصية في هذا المضمار. إذ إنني وأثناء الدراسة الابتدائية، قررت في أحد الأيام الهرب من المدرسة في خمسينيات القرن الماضي حيث انتشرت أخبار تفيد بقرب غزو للجراد للبحرين. ولم يكن ذلك يعتبر غزوا، بل قدوماً ميموناً يترقبه الناس. وددت الاستفادة من الفرصة خاصة وأن مدرستي كانت بقرب المقبرة، حيث يتوقع للجراد أن يحل ضيفا، وليس غازياً. ولربما كانت تلك المرة آخر عهدي بتناول الجراد وإن بقي طعمه حاضراً في النفس. وأقرب الأغذية طعماً لمذاق الجراد هو مستخلص مكثف من خميرة البيرة، يباع في الأسواق. ولطعمه مذاق لاذع ومميز إما أن تحبه أو تكرهه من أول مرة.
وحسب بحث علمي أجرته جامعة مونتانا واقتطفته البي بي سي يتبين أن بالجراد، وتحديداً من فصيلة الجندب النطاط، قيماً غذائية يصعب تجاهلها وخاصة حين مقارنتها مع مثيل وزنها من اللحم. إذ تحتوي المائة جرام من لحم الجندب، إن كان به لحم، على: 20.6% بروتين، 35.2% كلسيوم و5% من الحديد. بينما تحتوي المائة جرام من اللحم المفروم على 27.4% بروتيناً و3.5% حديدا.
وإن صحت الذاكرة فلا زلت احتفظ بصورة ذهنية عن زكائب ملأى بالجراد المطبوخ بسوق المحرق للأغذية وقيل أن مصدره بدو السعودية. ويبدو أن البدو يطبقون على الجراد ما يطبقونه على أحياء أخرى: إذ أن الجراد معشب، غذاؤه الحشائش والنبات ولا يقترب من الأوساخ أو الجيف. فكأنه جزء من حيواناتهم الرعوية. وأورد أحد المواقع حديثاً للنبي صلى الله عليه وسلم أقتطفه بتصرف:
«عن ابن عمر رضي الله عنه قال قال الرسول عليه الصلاة والسلام: أحلت لنا ميتتان السمك والجراد. » وتحلل اليهودية أكل أنواع من الجراد، مما يشير إلى عادات مشتركة بين بدو الجاهلية.
هذا للجراد. ولكن لمنظمة الفاو غايات أبعد بدراستها للموضوع، ونشرها للدراسة. فهي تود أن يعتاد الإنسان على الفكرة ذهنياً قبل القبول بها ممارسة. والعادات الغذائية تختلف من مكان إلى مكان. وعلى سبيل المثال: بينما يعتبر خليجيون سمكة السهوة، التونة، جيدة للأكل، يمتنع خليجيون آخرون عن تناولها للون لحمها الأحمر. فيعتبرونه دليل استهلاك تلك السمكة لأسماك أخرى يجعلها من المُفترسات، المكروه تناولها. ورغم أن الممتنعين يستهلكون أسماكاً معلبة إلا أنهم يتوقفون عند سمك التونة/السهوة الطازج. هذا مثل على الأسماك، فما بالك بحشرات، تأنف النفس البشرية ببلاد عديدة من الإقبال عليها.
وها قد أزف الوقت، بحسب إعلان الفاو، لبحث الأمر بجدية وكتحضير لسنوات قادمة يتطلب الإعداد لها منذ الآن. والمسألة مفتوحة على كل الاحتمالات. وهناك حشرات تفيد بشكل مختلف. فلا ينسين المرء أن أفضل الغذاء مذاقاً وفائدة هو العسل وهو من نتاج الحشرات. كما أن الحرير يأتينا أيضاً من نتاج دودة القز. والإخوة الصينيون لا يقصرون في الاستفادة من حريرها الدودة ولحمها. ونصح دليلٌ صيني سواحاً فقال: إن أفضل وسيلة لتذوق الأكل الصيني هو بعدم السؤال عن مكوناته!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق