كان لدينا في أحد أسواق المحرق سوق أصغر يسمى سوق العمانيين، وهو جزء من أحد أقدم أسواق المدينة يقع إلى الشرق من فريق بن غتم ويقابل مسجد الشيخ المحمود. والحي بمجمله لا يبعد كثيراً عن مركز المدينة كما كان ممثلاً في قصر الحاكم عيسى بن علي آل خليفة (1869-1932).
كان ذاك السوق بالمحرق بمجمله يحتل طريقاً متواضع الطول، وكان سوق العمانيين الذي يشكل جزءاً منه يتمثل في ثلاثة دكاكين تقع بالقرب من بعضها البعض. كانت تبيع ليموناً أسود وأعشاب طبيعية ومنتجات مختلفة، أعتقد أن جلها قادم من شرق أفريقيا.
وبعد أن ينتهي سوق العمانيين وعلى مبعدة منه ينتصب دكان عبدالله المسقطي للحلوى. وكان موقعه مركزياً بالنسبة لأهل الحي فإلى الشمال منه قامت قهوة محمود وهي قهوة لها دور محوري بالنسبة لفريق بن غتم في معظم القرن المنصرم حيث شكلت مدار لقاءات أهل الحي لزمن طويل، والموقع المبرّز لمباريات الدامة والكيرم والدومينو بين رجالات تلك الأيام. كانت القهوة هي المنتدى وموقع الترفيه، ومن فاته الفطور فلا بأس ببعض الحلوى الساخنة من عند العم عبدالله مرفقاً بقرص أو قرصين عاديين، وإن اتسعت المعدة، دبل مع السمسم، من عند عزيز الخباز، والشاي والمكان عند محمود.
لم نعرف من تفاصيل صاحبنا عبدالله سوى أنه يلقب بالمسقطي. كان يبدل زيه حسب الوقت في النهار ومتطلبات العمل: فإن أتيته صباحاً وجدته في فانيلة ومأزر واقفاً وبيده عصاً طويلة تنتهي بقطعة معدن، وهو على المرجل يحرك الحلوى السائلة يميناً وشمالا وللإمام ثم الخلف، وهو في حركاته جاهداً مشمراً لا يتوقف في حر المحرق اللاهب. نعرف حينها أن الرجل مشغول وإن وددنا الحصول على حلوى ساخنة فسيتوجب علينا الانتظار ساعة أو ساعتين.
إما إن أتيته عصراً فستجده في أكمل ثيابه جالساً على كرسي في المحل مستضيفاً بعض خلانه وأصدقائه، وبينهم قهوة تدور وأحاديث لا تنتهي.
ترتفع أسهم المسقطي حينما يقوم أحد سكان الفريق ببناءٍ كبير أو صغير في منزله أو دكانه، فحينها يتطلب الأمر تنسيقاً بين عزيز الخباز وعبدالله المسقطي لترتيب وجبة في حوالي العاشرة صباحاً وهو موعد غير معتاد لهما، تتكون من صينية حلوى واسعة، وكميات هائلة من الخبر للبنائين. كانت هذه الوجبة الوسيلة الوحيدة لإقناعهم بمواصلة العمل المضني لساعات أخرى في أجواء صعبة، ولتزويدهم بالطاقة اللازمة لذلك.
لا نعرف كيف اختفى عبدالله المسقطي، ولا إلى أين اتجه. ولكنه احتل مكانة في قلوب أهل فريق بن غتم لا تمحى. واليوم وبعد غيابه قامت بالقرب من موقع محله مجموعة محلات تبيع الحلوى الهندية، وكلما مر محرقي من الكبار في السن تذكر المسقطي وحلواه الحمراء الشفافة المكسور مذاقها السكري بالمكسرات المختلفة، ومجلسه الذي لا يمل ومكانته التي لن تزول.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق