الصوت الخليجي هو نمط من الغناء الراقي، يؤديه المقتدرون من الفنانين يحتلون بأدائهم له موقعاً اجتماعياً وفنياً رفيعاً. تحدر إلينا هذا النمط من جلسات السماع أيام هارون الرشيد وخلفائه، وانتعش على يد مؤدين بالكويت والبحرين مع بداية القرن الماضي. يأخذ الصوت كلماته من الشعر العربي الفصيح أو العامي، ويسبكها بألحان أخاذة وأداء لا يقاوم. وارتبط إلى حد كبير بنشوء ما سمي بـ "دُور (جمع دار) الفن" في البحرين والكويت والتي كان يأمها أساساً البحارة وغواصي اللؤلؤ أيام فراغهم من عملهم. ومن بين أهم من أداه في القرن الماضي: محمد بن فارس وزويد وعوض الدوخي.
حينما يكتب مؤرخو الغناء والموسيقى الخليجية مادتهم المتعلقة بتاريخ ذلك الأداء يحتل صوت "يامن هواه أَعزّه وأذلّني" مكانة بارزة في ذلك الجهد الفني. ويعود ذلك لأسباب. فالصوت رقيق جداً وذا وقع خاص. ولقد أخذه الكويتي سعود الراشد (1922-1988) وسكبه لحناً حديثاً ضمن قالب الصوت الخليجي، فاحتل موقعه المميز في إذاعة الكويت في ستينيات القرن الماضي وأخذ مكانه في قلوب المستمعين في تلك الأيام. وبمرور الزمن بات من الكلاسيكيات: فهو ينتمي بحكم الولادة إلى فترة مزدهرة من الغناء الكويتي، وهو يمثل نموذجاً لإمكانيات استيعاب قالب الصوت الإيقاعي لجمل موسيقية حديثة تضعه في قلب تذوق أجيال شابة، يتفتح اهتمامها بالمحلي ضمن عيشها في العالمي.
مرت السنين، واتخذ الاهتمام بالتراث الغنائي الخليجي منحى أكاديمياً، وبات المهتمون به يحضّرون فيه الدراسات وينالون بذلك شهادات.
وظلت تلك الأغنية يتيمة لا يذكر أحد من هو قائلها ومن هو صاحب كلماتها العذبة. ولربما عاد السبب إلى أن من سيبحث عن ناظمها سيبحث عنه في كتب الأدب من ناحية الموضوع، وبعيداً عن عمان من ناحية الجغرافيا والتي لم يعرف عنها مساهمة في فن الصوت الخليجي.
وفي أحد الأيام، وبينما كنت اتصفح كتاب عبدالله السالمي "تحفة الأعيان"، تسمّرت عيني على قصيدة تقول:
يامن هواه أعزه وأذلني
كيف السبيل إلى وصالك دلني
وتركتني حيران صبّاً هائماً
أرعى النجوم وأنت في نوم هني
إلى آخر القصيدة التي يكاد يحفظها المستمعون الخليجيون دون معرفة كاتبها. وتنسبها كتابات مؤرخين بارزين مثل الدكتور يوسف الدوخي إلى مجهول.
لحّن القصيدة وغنّاها سعود الراشد وهو أحد أبرز المؤدين الخليجيين في القرن الماضي، وأثارت تطويراته وبالذات في فن الصوت الخليجي جدلاً، وإن كان هناك اتفاق بأن تلك التطويرات كان لها الأثر البارز في تطوير الموسيقى والغناء الخليجي والانتقال به إلى القرن العشرين.
وبقى صاحب الكلمات مجهولاً، وهو سعيد بن أحمد بن سعيد البوسعيدي (ت 1803) ثاني الأئمة البوسعيديين عاش زمناً طويلاً وكان شاعراً مجيداً من شعراء عصره. وستكون زهرته تلك هي هدية عمان إلى تراث الصوت الخليجي، وطبعتها الخاصة منه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق