الأحد، 27 أبريل 2008

أنا ورايس والروّاس

أما رايس فهي ما غيرها كوندليزا، وأما الرواس فهو عزيزنا عصام أطال الله في عمره. وكان قد جلس وتحلّقت حوله مجموعه من أهل عمان ببهو فندق في جدة، وكنت على وشك السفر وأخذت بالمرور بهم جيئة وذهاباً حاملاً مجموعة كتب هنا وجاراً شنطة هناك. وفي كل مرة أسمع كلاماً غليظاً في أميركا حيناً، وحنقاً بسياساتها تجاه أوطاننا حيناً آخر. ثم أن الشيخ أبا سلطان، وكان بينهم، دعاني للمشاركة وهو عالم بضيق الوقت وإلحاح الدقائق علي، فلبيت.

استمعت بما أتيح لي من وقت،  حين انبرى الغالبية مؤكدين أننا لن نستقبل من حليفتنا القديمة الجديدة، وسيدة عالمنا الوحيدة، والراعية الأكبر والحامية الأقدر للدولة العبرية العتيدة، وكما عهدنا منها، إلا الأخبار الرديئة. وأنه إن لم تعلمنا تجاربنا بالعقود السبعة الماضية، فيكفينا ما حل بالعراق، وما يحيط بسوريا، ويحاك للبنان. فرفعت يداً فأعطاني ابن الرواس، رئيسنا السابق بجمعية المؤرخين الخليجيين، حق الكلام.

فقلت: لقد أتيتكم بخبر لربما كان جديراً بأن يسمع. فقالوا: هات.  قلت: كنت في جمع من القوم، وبينهم كوندوليزا رايس، وقد كانوا رهطاً تسعة، فباتوا عشرة، وإنهم لفي أمر عظيم.

فاشرأب القوم نحوي، وقالوا: زدنا، وكلنا آذان صاغية.

قلت: دعوني أعود للبدء وللشأن العراقي، لكونه محل قلقكم من ناحية ولكونه محط اختبار متانة العلاقة الأميركية العربية القديمة الجديدة، وبها من الحب ما بها، وتضم فيما بين جنباتها الكثير من الشكوك والجفاء وانعدام الود. فلقد جاهد الشعب العراقي ما جاهد وقدم من التضحيات ماقدّم، فما قدر على أن يقضي على الدكتاتورية. ثم أنه اغتنم فرصة حرب الخليج الثانية وثار فلم يحصل على دعم دولي، وتحديداً أميركي، لأسباب شتى وبينها انعدام المصلحة الأميركية في التدخل العسكري حينها، فلام الناس الأميركيين على عدم التدخل. ثم أتت الحرب الثالثة وتدخلت الدولة الأعظم وغيّرت من نظام الحكم، وبدأ عهد جديد للعراقيين بشره وخيره ، ولكنّه مكّنهم مما أرادوا بتغيير نظام الحكم. وما كان ذلك ليتم لولا وجود مصالح أميركية عليا: النفط ومستتبعات 11 سبتمبر والعولمة وارتباط تلك المصالح ارتباطا وثيقاً بنشر الديمقراطية غرباً وشرقاً. وبالمناسبة فليست هذه بديمقراطية أميركية إلا بالاسم، فهي نتاج جهود للانسانية جمعاء امتدت على مدى ما ينوف على الثلاثة آلاف سنة. وللعرب والمسلمين إسهام بها وأن صغر. وهكذا لام العرب أميركا عندما لم تفعل شيئأً، وألقوا عليها باللائمة حينما فعلت. فكيف ترون؟

فوجدت صمتاً فواصلت: وكما ترون فإن الناس وقوى العالم تلتقي ليس لتماثل المصالح، فهذه من النوادر، وإنما لتقاطعها. والحكيم من يحسن استخدام الفرص. فأميركا لن تنفذ مهامنا نيابة عنا، ولا يجب أن نسألها ذلك، ولكن إن سمحت الأيام، وتقاطعت مصالحها ومصالحنا لإنجاز أمر ما فلنفعل، ولنستفد بما تسمح به السوانح وتتيحه الظروف، وبعدها نعيد الحسابات وننظر في أمرنا، ونغير الأمور والتحالفات. وهذا ما يفعله الجميع، ويقولون به، وإن كنا لم نعرف الأمر بعد، فقد آن الأوان لكي نتفهمه. وبالآخر فنحن مسؤولون عن أنفسنا وقضايانا وتحسين أوضاعنا وبث الديمقراطية في أوساطنا. وإن كنا نريد فعل أمر وقيض لنا أن نحصل على ما يساعدنا ومن يساعدنا في إنجازه، فلنفعل.

فأنصت القوم برهة، اغتنمتها للمواصلة يستحثني موعد قيام طائرتي، ثم أكملت. ولكن لست عن هذا أود اخباركم. ولكن يتوجب علي بدءا أن أبرئ ذمتي فلست بمسؤول عن تحسين صورة أميركا، ولا أريد القيام بذلك وأنا من انكويت بحرّ موقفها المستمر منذ ما ينوف على العقود الستة إزاء القضية الفلسطينية، وبكثير من سياساتها الاستعمارية. وإنما وددت الإشارة إلى الاتفاق الجديد الذي أعلن بالمنامة وسمي باتفاق 6+3+1 بعد أن كان 6+2+1.

فقال أحدهم: أو هذه حجى، أم ألغاز؟ قلت: لا هذه ولا تلك. فقال لي: أفصح، بارك الله فيك. فقلت: أما الستة فهم أصحاب مجلس التعاون، وأما الثلاثة فكانوا إثنين مصر والأردن، ثم أضيفت العراق فأصبحوا ثلاثة. وأما الواحد فيعود لسيدة الكون، ومالكة مصيره حتى يمنّ الله علينا بالرحمة: أميركا. ولكن ما علينا. فالمهم أن الجميع قد اتفقوا في المنامة على أن يتفقوا، وأن تكون كلمتهم واحدة، وأمرهم مشترك وعصبتهم متينة.

فانبرى أحدهم: أو هذا تجديد لحلف بغداد، المعروف بالسنتو؟

قلت: لا علم لي بالأمر، وإنما يتراءى لي بأنه ولأول مرة يرتبط بعض العالم العربي بمجموعة تلتزم فيما تلتزم بالديمقراطية على نحو جلي لا لبس فيه. وكان بنو جلدتنا من أبناء يعرب وقحطان قد نفروا من الديمقراطية حين اطلعوا على علوم الأوائل، واعتبروها من صنع يونان ورومان، وأخذتهم أنفة البدو عن أن يقبلوا بها. وحينما عرفوا عنها فيما تأخر من أيامهم وعندما احتكوا بالغرب تراءت لهم مرتبطة بالصليبية حيناً والاستعمار أحياناً، فنفروا منها مرة أخرى، فآل أمرهم إلى خراب، وتحكم فيها أقوياؤهم، وخسروا معارك التطور والعيش مع أحرار العالم، وما تقدموا لأمام.

ولربما كان في تجمع المنامة شيئاً لقوم يتفكرون. ثم وقفت فوقفوا، وسلّمت فسلّموا، وسرت يسبقني موظف الفندق لإنهاء إجراءات المغادرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق