الأربعاء، 2 أبريل 2008

العسكر والاقتصاد

- كوسجريف: ليس هناك منطقة في العالم تعكس حدوث العولمة مثلما يظهرها الخليج. فهاهنا تزدهر الأعمال، وتقوم حركة البناء على أشدها، ويتقلص العالم.
 
ألقى قائد القوات الأميركية في الخليج محاضرة أمام جمعية رجال الأعمال البحرينية مؤخراً. وبالطبع لايخلو مزيج المحاضر والجمهور والمكان من بعث على الدهشة ويشير إلى كم تغير الخليج، بل وكم سيتغير.

فقد باتت التطورات تأخذ برجال الأعمال قليلاً فقليلاً إلى قلب الأحداث، ولم يعد مفيداً لهم الاستمرار في الابتعاد عن الفعل السياسي. بل وبالنظر إلى ما يضخونه في الحركة الاقتصادية المحلية باتوا بحاجة إلى معرفة سير الأحداث، واحتمالات المواجهة، وآفاق المستقبل، وقائد البحرية الأميركية هنا راغب وقادر لإعطاء الرأي.

لم تعد مصالحهم تتلخص في استيراد بضائع، وتخزينها لتصريفها مع الأيام على المستهلكين وبدء دورة تجارية اقتصادية جديدة. الأمور باتت أكثر تعقيدا: فهناك حجم الاستثمارات الهائلة والذي يترافق مع بروز شركات مساهمة، وأسواق مالية، ومتطلبات التحالفات الاستراتيجية التي تفرضها بروز شركات واضمحلالها.

وهذا ما جرى حين قدموا مستمعين لكيفين كوسجريف نائب الأدميرال، قائد القوات البحرية للقيادة المركزية الأميركية  وقائد الأسطول الخامس في الخليج العربي. يرتبط وجوده كثيراً بالإجابة على ما يعتمل في أنفس مستمعيه من أسئلة، وتحديداً تلك التي تدور عما إذا كانت مصالحهم مهددة أو أن البنية التحتية تكتنفها المخاطر. ولربما امتدت الأسئلة لتعنى بما إذا كان العاملون لرجل الأعمال بمأمن أيضاً وعما إذا كانت البيئة المحيطة بهم منتجة. وسيبرز التساؤل عما إذا كانت الخطوات التي سيقدم عليها صاحب مصلحة ما ستصب في نماء مؤسسته في المستقبل. وحتى الإستفهام المتعلق بسلامة العائلة والأطفال ينبغي دوماً أخذه بالاعتبار.

ويقول  الأدميرال، أنه معني بدوره للاهتمام بهذه الأسئلة، وأن وظيفته هي في توفير الأمن في المنطقة. ويبسط الأمور فيوضح بأنه على قاعدة الأمن ينمو الاستقرار، فتزداد التجارة وازدهارها، وينمو النشاط الاقتصادي وتتسع حيويته محلياً وعالمياً. ويردف بأن الأمن الذي تساعد على توفيره القوات الأميركية يسمح لنجاح بيئة الأعمال المحلية، فتعم ضمانة الأوضاع في عصر يتجاذبه التغير.

وأوضح القائد البحري بأنه للخروج بتقويم فعلي لما تفعله قطعاته فإنه ينبغي وعي الواقع المحيط بنا. فنحن نحيا في عصر سريع التقلبات، يزداد الترابط بين أجزائه. وباتت العولمة اليوم هي الأمر السائد إلى حد أنه يمكن القول بأن "العالم يقوم هنا" في الشرق الأوسط. وإذا ما نظر الخليجيون حولهم فسيرون ذلك مباشرة أمامهم. وحدّد بأنه ليس هناك منطقة في العالم تعكس حدوث العولمة مثلما يظهرها الخليج. فهاهنا تزدهر الأعمال، وتقوم حركة البناء على أشدها، ويتقلص العالم.

وليست الأمور كلها سمن وعسل، فيشير الأدميرال بأن التغيرات السكانية الإقليمية تشير إلى تعاظم انتقال السكان نحو المدن. وأخذ الإرهاب الغير مرتبط بدول وذلك المدعوم من قبلها يظهر للوجود ويشيع تهديداته. كما أن تزايد قدوم الناس، بطرق شرعية وغير شرعية، يفرز منظوراً من المشاكل مثل قضايا الصحة.

وسرعان مابرز التناقض بين التطرف والاعتدال وبين الحداثة وبقاء المرء أسيراً للتقاليد. وباتت المتغيرات الإقليمية تبعث على التوجس وتبث القلق بمختلف أرجاء الشرق الأوسط.

وتترك هذه الأمور بصماتها على الاستثمار. ففقدان الأمن يؤدي إلى تهافت الاستقرار والذي يفتح الطريق أمام تبلور بيئة استثمرار غير ثابتة. وبمعادلة بسيطة فإن تراجع الأمن، قلّ الاستقرار مما يجعل الاستثمار الآمن شحيحاً. وضرب السفير مثلاً بما تنشره وحدة المعلومات التابعة لمجلة الإكونومست والتي تعنى أساساً بذلك الشأن. ولقد أشارت دراسة لها صدرت حديثاً بأن عدم الاستقرار والمخاطر السياسية، أي احتمالات العنف السياسي والاحتكاكات الجغرسياسية وعدم الاستقرار الحكومي، كل تلك الأمور هي ما يحد من تطور الاستثمار ونمائه. ويعود الأدميرال ليؤكد بأن ذلك لا يشكل اكتشافاً جديداً وأنما هو مبدأ معروف، وليس من المتوقع للاستثمارات أن تقوم في مواقع لا يمكن التنبؤ بمردودات اقتصادياتها.

ويمكن اقتطاف الكثير من أقوال الأدميرال، وكان لمثل هذا القول أن يتم قبل خمسائة سنة على يد قائد برتغالي أو أحد وكلاء شركة الهند الشرقية المنتشرين في الخليج. ولكن ليست الأمور كلها على هذه الناحية من التبسيط. فأيامها لم يكن للقائد البرتغالي أو الوكيل الإنجليزي ليأبه بالتحدث أمام تجار المنطقة. كانت القرارت تتخذ والأمور تتم وعلى تجار المنطقة، مثلهم مثل بقية سكانها، أن يأخذوا بالاعتبار نتائجها. واليوم يجد ممثل أكبر القوى الدولية وأشدها حضوراً في الخليج ضرورة شرح أسباب وجوده، وما تقوم به سفنه وطواقمه من أعمال بمياه الخليج التي شهدت ثلاث حروب في ثلاثة عقود من الزمان. وكما سبق القول فإنه لطبيعة المستمعين من التجار دلالة أيضاً. ولم تعد الأطراف المختلفة المشتبكة لوجستياً في الخليج تأتي لتمثل أطرافاً منفصلة، على طريقة الوجود البرتغالي مثلاً، أو حتى أيام الحضور البريطاني الساحق. الآن تلتقي تلك الأطراف كلقائها على طاولة مستديرة ترتبط معاً بمصالح، ويحتفظ كل من الجالسين بمكانة ودور، ويتقاسمون التعرض لمخاطر تهدد الأمن القومي لبلادهم وكل بطبيعة مختلفة.

والقائد الأميركي يعي دوره، والباقي للتجار أن يلموا بموقعهم الجديد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق