قبل ما يقرب من العام، تناقلت شبكات الإنترنت ملاحظات على محمية المها في عمان، وسرت أخبار عن تناقص أعداد هذا الحيوان الجميل بها، مما أدى إلى بروز قلق دولي على أعداده المهددة.
وددت أن أكتب عن الموضوع حينها انطلاقاً من معرفتي بحرص عمان والخليجيين بشكل عام على حياتهم البرية، ولكن ومن باب الأمانة الصحفية وددت الاستزادة أولاً عن الموضوع، فاتصلت بمن اعتقدت بأن المسألة تقع في يده، عارضاً استعدادي إن وجب الأمر أن أزور المنطقة الصحراوية البعيدة لأنقل تقريراً حياً عن وضعية المحمية والخطط المستقبلية. فقيل لي أن أقدم طلباً، وأكتب رسالة، وأرسل فاكساً، وأطلب زيارة ووو لم يتبق سوى أن أشتري ورقة دمغة وألصقها على الرسالة على طريقة الدولة العثمانية.
باختصار رغبت أن أكون المدافع عن المها، فأضحيت بوضع أطلب فيه توسيط المها، لكي يقع اقتراحي موقع القبول. تراجعت بعد الحماس، وقبلت من الغنيمة بالأياب.
كان أكثر من رأي قد صدر على المستوى الدولي، وكنت أشعر أنه إما أن تكون لدى هذه التقارير مصداقية معينة، وحينها سأعطي لنفسي وبقدر ما يسمح لي الإخوان العمانيين ويرغبون به الحق في طرح وجهة نظري الشخصية. وإن كان الأمر غير صحيح، فسأكون في موضع يمكنني من توضيح الموضوع، وإزالة ما قد يكون قد لحق مشروع حماية المها من سوء فهم على المستوى الدولي.
كان المها والفهد العربي والسلاحف البحرية والغزال البحريني وبقرة البحر الخليجية ومحاولات الخليجيين للمحافظة عليها كلها كانت مواضيع تهمني وتستقر في البال كمحاولات نجحت أو ينبغي أن تنجح كجزء من الجهد حقيقي للمحافظة على الحياة البرية المحلية والذي هو جزء من التراث البحري الخاص والهوية المميزة لهذه البقعة من العالم.
بعد حصولي على الرد والتعقيدات المرافقة، وضعت الموضوع في ملف، ووضعته على الرف. ودعوت ربي أن يضمن سلامة المها وغير المها.
ثم مرت الشهور، وإذا بي وجهاً لوجه مع حمد بن سيف الهمّامي مدير مكتب اليونسكو بالدوحة وممثل اليونسكو لدى الدول العربية في الخليج، قلت والله فرصة. فاليونسكو هي الجهة التي تعنى بتلك الأمور في الأمم المتحدة، وكانت هي منشأ القلق الدولي.
وقلت هذا رجل عماني قح متعمم بعمامة ويعمل في اليونسكو، وليس بعده من رجل مناسب. فأمسكت به وقلت له: أصدقني الخبر وقبل أن يبدأ هرع الزميل نجيب فريجي الممثل الإعلامي للأمم المتحدة بالخليج لنجدة الهمّامي ظاناً أني على وشك الإيقاع بالرجل في تصريحات صحفية، وقال أطلق الرجل، فهو وإن اعتم بعمة إلا أنه ملكية دولية، وتابع لمؤسستنا حماها الله ورعاها. فطمأنت فريجي، وقلت له إني لست بسائله لا عن التضخم الدولي ولا عن أسعار النفط، ولا عن بان كي مون ومشاريعه المستقبلية وإنما عن حيوان لطيف جميل رقيق، ومن أرق من المها.
فطرحت مسألتي للرجل وبدأ يتحدث وإذا بالأخ سالم عبدالله برهام باعمر رئيس دائرة المنظمات الدولية بوزارة الخارجية العمانية يمر، فكان كالفرج واتجهت الأنظار إليه. فعرضت عليه الهم أيضاً.
وخلاصة قول الإثنين إن المشكلة هي في وجود سوء فهم لتحديد المناطق المخصصة للمحميات الطبيعية، وأن هذا التحديد كان يقع في أخطاء أحياناً قد تصل إلى أن ترسم المحميات مشتملة على ممتلكات خاصة. وأن المسألة قيد إعادة النظر. كان الوقت قصيراً ولم يتح المجال للتأكد من المسألة الأهم وهي عمّا إذا كان قد حل تناقص فعلي بقطيع المها المحمي أم لا؟ ولكن كان هناك تطمين أولي.
لقد باتت الحياة البرية في الخليج محط اهتمام واسع يبدأ بين شعب المنطقة وينتهي بالمنظات الدولية. وعلى سبيل المثال فهناك قلق واسع من نفوق السلاحف البحرية في البحرين، وقد قام مركز البحرين للدراسات والبحوث بإعداد دراسة حول نفوق تلك السلاحف، وأعدها إبراهيم عبدالقادر رئيس دراسات الثروة السمكية بالمركز.
وكان تقرير لبرنامج مراقبة ذلك النفوق قد لحظ هذه الظاهرة فقام المركز بتوفير إحصائيات عن السلاحف النافقة ومسببات النفوق والقطاعات المتسببة. واشتركت الهيئة العامة لحماية البيئة والحياة الفطرية وشركة غاز البحرين الوطنية في تمويل هذه الدراسة.
وسبق للمركز أن وقع مذكرة تفاهم مع الإدارة العامة لحماية البيئة والحياة الفطرية في 2006 بشأن تنفيذ التزامات البحرين في الاتفاقيات الدولية والإقليمية المتعلقة بحماية السلاحف البحرية وبقر البحر، وعلى أثر توقيع المذكرة، قام المركز بإعداد برنامج للمراقبة لتوفير إحصائيات عن السلاحف النافقة وتحديد حجم المشكلة.
وانتقل الاهتمام البحريني الخليجي مؤخراً إلى بقرة البحر وهي حيوان يرتدي أهمية ليس لتفرده وجمال نوعه ولكن لأن في حياته انعكاس لصحة البيئة، وفي حالة تعرضه للمرض أو النفوق تدق المؤسسات المعنية ناقوس الخطر لأن في ذلك إيذان بتلوث المنطقة كلها.
وبقرة البحر هو الحيوان الذي كان الأساس لبروز أسطورة جنية البحر، كما أن المها العربي هو أساس بروز أسطورة الحصان الوحيد القرن. وإذا كان المها هو أحد أكثر الحيوانات التصاقاً بصحراء المنطقة، فالبحرين، وأعتقد المنطقة الممتدة منها وحتى سواحل الإمارات تحتفظ بثاني أكبر مجموعة من بقر البحري في العالم بعد أستراليا، ولذلك أصبحت المنطقة محط أنظار العالم لما سوف تقوم به للمحافظة على قطيعها من أبقار البحر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق