الخميس، 19 يونيو 2008

جاك ضيوف ... والإسراف الخليجي

سألت جاك ضيوف المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو) عما إذا كانت لديه خطة لمواجهة الهدر الواقع في استهلاك الغذاء العالمي. وكان جوابه إن منظمته تنصح بما هو ممكن، مشيراً إلى أن مثل هذه الدعوات ربما تكون بعيدة عن قابلية للتطبيق.

كان الرجل في جولة وصفها بالتنويرية حول مقررات مؤتمر روما للغذاء العالمي والذي انعقد بالعاصمة الإيطالية 3-4 يونيو 2007 وحضرته 181 دولة مثّلها 43 رئيس و100 وزير لمواجهة أزمة الغذاء العالمية، وصدر عنه إعلان روما، وأراد ضيوف أن يقم بجولة لوضع بقية رؤساء العالم في الصورة، وللخليج مكانته المميزة: فهو منتج رئيس للنفط، ومستهلك أساس للغذاء.

ولقد انعكست الأزمة علينا في مجلس التعاون، وكنت قلقاً من أن يأتي ضيوف طالباً من دول المجلس أن تقتطع من أسعار النفط شيئاً، ولكنه أكد أنه لم يأت لأي هدف آخر غير التوعية بإعلان روما وإن كان سينقل ما طرح في المؤتمر من ربط بين ارتفاع أسعار الغذاء والنفط.

ضيوف يعتقد بصعوبة الطلب من المستهلكين اليوميين للأغذية أن يراعوا الله في طريقة تصرفهم إزاء ما يتوافر لهم من كميات الغذاء. وهو يقنع بالإكثار من الكميات لمواجهة الطلب الهائل القائم، والمرشح للتزايد. وهو ينظر إلى، ويأخذ بما يبدو قابلاً للتحكم به وبإدارته، وما يمكن قياسه: مثل محاولة تفادي الكوارث الطبيعية من فيضانات أو جفاف يؤثر على الزراعة، أو زيادة الإنتاجية عبر تقنيات جديدة أو بإيقاف التصحر وبزيادة المساحات المزروعة.

وإذا كانت وجهة نظره مفهومة، فلا يعني أن يتوقف المرء عند حدود ما تطرحه من خطوات. وبدءا يشير المرء أنه عندما كنا صغاراً كنا نتعلم بأن من يرمي حبة تمر على الأرض فإنه يرتكب خطيئة إزاء الخالق، لأن التمرة هي نعمة من نعم البارئ.

يرمي الخليجي يومياً كميات هائلة من الأغذية الزائدة على في الأكياس السوداء وعلى المزابل. نعد منها حين التحضير للوجبات كميات كبيرة تفوق حاجات أبداننا الفعلية، ونضعها على الطاولة: فتراه العين قليلاً قبل البدء، ونترك الكثير منه بعد الانتهاء. وأهم شيء نحافظ عليه هو أن تكون الكميات أكبر بكثير من حاجة البطون ومتطلبات الاستهلاك الفعلية، لا لشيء إلا لتفادي العيب، وإظهار أسباب النعمة. ونتبادل كلمة أننا نود أن ترد العين أمام المقدم من الأطعمة، وألا تذهب بنا الظنون كل مذهب عن بخل أو تقتير.

وفي الأيام الخوالي كنا نأكل على سفرة، وهي قطعة مستديرة تنسج من سعف النخيل، وبعد الانتهاء من الوجبة كانت السفرة تلف وتأخذ لموقع في البيت اسمه الحوطة حيث كانت تربى مجموعة من الحيوانات المنزلية تبدأ بالدواجن والبط وتنتهي بالأغنام والأبقار، وكان لكل منها نصيب من بقايا طعام الأسرة، وبالتالي يحصل تدوير لايستثني حتى النوى وبقايا السمك، كل حيوان يأكل ما يناسبه ويقل الهدر بشكل كبير.

لم نعد نمتلك حيوانات في المنزل، وزادت أحجام موائدنا وأطباقنا وقل عدد الساكنين في البيت. ومع التقدم خسرنا بعض أشياء صحيحة كانت لدينا من المجتمع البسيط الذي كنا نعيش فيه، ولم نتملك كل جوانب العيش الحضاري الذي بتنا به، وسنستقبل قادم أيامنا خلاله، ولا مناص من التقدم عبره.

ولا يمكن للحديث عن ترشيد استهلاك الغذاء أن يمر دون الحديث عن ما يتم في الولائم والمناسبات، وفي مقدمتها شهر رمضان المبارك. فهنا يبلغ الإسراف أقصاه. فالمقياس الرئيس هنا هو المحافظة على المظاهر وتقديم أكبر كميات من الأغذية حتى وإن كان مآلها لصناديق القمامة. ويتم أحياناً التصرف بشكل أفضل، وإن كان لايبلغ المطلوب، عبر التصدق بالكميات الزائدة على فقراء، أو من نصنفهم كذلك. ولكن يتوجب القول إن ذلك التعريف هو من الاتساع بدرجة أنه يشكل مظلة أخرى غير دقيقة لضياع كثير من المواد القيّمة.

ليس الخليجيون بحاجة لأن يقتنع جاك ضيوف بأن الدعوة للمحافظة على الغذاء هو أمر واقعي، لكي يبدأو في تغيير عاداتهم. يمكنهم إن أرادوا أن يخترعوا نظاماً لترشيد الإنفاق على الغذاء، فيوفروا قدراتهم، ويتقوا الله في نعمه، ويضيفوا إلى العالم شيئاً جديداً.

وهناك مجموعة كبيرة من الاقتراحات العملية التي يمكن أن توضع قيد التنفيذ، وهي ممكنة التحقيق، سهلة التطبيق، بمقدورها أن تحقق وفراً ذاتياً للشخص وللعائلة ومن ثم للبلد والإنسانية جمعاء. فنحن نحتفظ بقدر غير قليل من التراث الأخلاقي والديني الذي يعلي من المحافظة على خيرات الأرض وإعمارها، وتوخي الحذر فيما بين أيدينا من خيرات للاستفادة منها وتنميتها.

وبات بمقدورنا في الخليج أن نستحدث من العادات الحضارية مثلنا مثل بقية خلق الله. وعلى سبيل المثال، فالإتيان بمفهوم الصيرفة الإسلامية، قد أضاف شيئاً جديداً للعالم، جعل مؤسسات عريقة ودول متقدمة تنتبه له، وتعمل الفكر فيه لاكتشاف ما هو مفيد ومتمدن وقابل للتطبيق لتبنيه. وعلى رأس ما اهتمت به تلك الجهات هو اعتناء المصارف الإسلامية بالبيئة، والتأكيد على المحافظة عليها.

وفي هذا مثال للاقتداء.

وليس هناك ما يمنع من أن نبدأ ببرنامج للاهتمام بكيفية المحافظة على الموارد الغذائية، وأن نفكر بشكل متزامن في أمور مشتركة معاً. فنبدأ مثلا حملة للمحافظة على المياه تتزامن من العمل على زيادة الرقعة الزراعية، ونضع خطة لزيادة إنتاج الأغذية بالخليج تترافق مع برنامج لتغيير عادات الإسراف السابقة.

وكان الله في عون العبد مادام العبد يساعد نفسه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق