الاثنين، 10 نوفمبر 2008

أوباما هو التغيير

يربط كثير من أصدقائى العرب بين مجيء أوباما، وبين توقعات إحداث التغيير بالسياسة الأميركية بشأن القضية الفلسطينية. على أنه لو لم يكن هناك من تغيير في انتخاب أوباما، إلا إعطاء مفاتيح البيت الأبيض لرجل أسود لكان هذا هو التغيير. على أنه وبمجئ مولانا أوباما، تجدر الإشارة لبضعة أمور.

أولها: أن الأميركيين وحين انتخبوا أوباما، لم يعطوا أصواتهم لأسوَد من أميركا، فأوباما ليس من سود أميركا الأصليين، إن جاز إطلاق التسمية. وأقصد بسود بهم الذين أحضروا من أفريقيا كعبيد، وهم الذين انقسمت أميركا على أساسهم وخاض لينكولن حربه من أجل تحريرهم. أولئك هم أيضاً الذين ناضل من أجلهم مارتن لوثر كينج وترشح جيسى جاكسون قبل سنوات ليمثل وصولهم للسلطة. وبالمناسبة فأثناء تغطية انتخاب أوباما أذيعت صورة للقس جيسي جاكسون المرشح السابق وهو يبكي، فرحاً بتحقق حلمه، وإن كان أحد الصحفيين قد علّق على بكائه، بالقول إن الرجل ينتحب لأنه يحقق دخلاً يبلغ ربع مليون دولار سنوياً!

جاكسون تذكّر في تلك الليلة الأيام الخوالي قبل عشرين سنة في المحاولة الزنجية الأولى للوصول للرئاسة، واستعاد أسماء من استشهد في سبيل قضية سود أميركا وفي مقدمتهم ناشط الحقوق المدنية مارتن لوثر كينغ.

ولربما كان من المثير استحضار كون حالة أوباما تتماثل مع حالة على الأرجح رئيس انتخب مؤخراً ومر انتخابه دون كثير صخب وهو نيكولا ساركوزي الذي قدم والده مثل والد أوباما كمهاجر من المجر إلى فرنسا، وحيث أن الولد قد اندغم في الحياة السياسية الفرنسية وتقبل مُثُلَها، فإنه صعد في السلم حتى وصل إلى أعلاه. والحال ذاته مع أوباما، وإن ارتدى لون بشرته بعداً آخر، ولون البشرة غلاّب في الولايات المتحدة.

والتقاط هذا البعد له أهمية لأنه يشير إلى الترابط الهائل الحاصل في العالم بين مختلف مناطقه، أكثر ما يشير إلى تصالح أميركا مع ماضيها العبودي، حتى وإن حمل في رموزه شيئاً من هذا، ووجد الملايين من بيض وسود في أميركا في خيار أوباما، البوابة التي يمكن أن يعبروا من خلالها لمواجهة الماضي العبودي، وإحداث التغيير وبالتالي التصالح مع التركة السابقة. 

طبعاً هناك الكثير ممن عبّد الطريق لوصول أوباما، بعضهم بشكل مباشر وبعضهم بشكل غير مباشر. ومن الأخيرين أشخاص مثل كولِن باول، ولا أقصد تصريحه الأخير والذي خرج فيه عن ولائه الجمهوري ليحتج على أي محاولة للتمييز ضد أي مرشح على أساس اللون أو الدين، حيث أن البعض أشار لأصول أوباما الإسلامية. والقصد هنا هو تسنم شخص ملون لرئاسة الأركان الأميركية، ومن بعدها وزارة الخارجية. وعلى نفس الطريق كانت كوندوليزا رايس. فهما وكثير من المسؤولين السود قد جعلوا من الممكن للعين الأميركية أن تقبل بوصول مسؤولين من أصل زنجي في مواقع رفيعة، وأن يقبل كل مرؤوسيهم العمل معهم كما كانوا يعملون مع غيرهم.

والآن عودة مرة أخرى للتغيير. ولا يزال العرب يمنّون أنفسهم بذلك دون محاولة فهم بعض مغازي ما يحدث، وطرائق حدوثها. فإن كان انتخاب باراك أوباما يحمل في طياته وبما يحمله من معنى حدثاً ديمقراطياً من الدرجة الأولى فهذا لا يعني بأية حال بأن القادم بسبب الحدث هو ديمقراطي 100%، وليس هناك بأية حال من ديمقراطي يحمل هذه الصفة، وإنما هناك ديمقراطية تتحقق مع الأزمنة والأحداث. ليس هناك من مصلح سينزل من السماء ويملأ الأرض عدلاًَ، بعد أن ملئت جوراً. فكل مرشح للرئاسة الأميركية سيأتي بقدر معين من الديمقراطية بقدر ما يمثل قاعدة ديمقراطية، وبقدر ما تكون القاعدة الديمقراطية نفسها قد طالبت بالتغيير وعملت عليه، ومكنته من الناحية العملية بحيث بات المرشحين يتنافسون على أن يمثلوا هذا الاختلاف ويدخلوا التاريخ عبره، ولكن وبشكل أساس أن يضمنوا القاعدة الانتخابية التي طرحته.

وحتى جورج بوش الذي خسر حزبه الانتخابات عبر جون ماكين ونائبته بيلين، فإن التاريخ الذي سيذكر حروبه العالمية ضد الإرهاب، سيحتفظ له بحيز واسع في إحداث الديمقراطية في البلاد العربية. فهو الذي استجاب، ولأسبابه الخاصة، ولمصالح بلاده الاستراتيجية، لضرورة التغيير في العراق وتمكن من إيجاد أسس لإنهاء واحدة من أسوأ ديكتاتوريات القرن، وفتح الباب أمام الشعب العراقي لكي يبني حياته على أسس جديدة، ويخطط لمستقبل حياته. ثم هناك كونه أول رئيس أميركي قال بحق الشعب  الفلسطيني في تأسيس دولة له. وهذان مجرد مثلين، وليس هذا موقع الكتابة عن بوش ولا عن سياساته الخاطئة ضمن فترة رئاسته. وإنما القصد أن الأمور لا تحدث دفعة واحدة.

ومن يعتقد بأن باراك أوباما سيأتي بالخير كله، وسيصلح سياسات أميركا تجاه العرب وإزاء القضية الفلسطينية فلا يوهمن إلا نفسه. ولا يجب أن يؤخذ الكلام على أنه لن يقوم بشئ بهذا الاتجاه، ولكن هذا خارج الموضوع.

وباختصار فإن انتخاب أوباما نفسه هو التغيير الأكبر، وهو نقلة هامة ليس بالتاريخ الأميركي، وإنما بالتاريخ الإنساني بمجمله، وهو إزاحة لفصل مظلم من تاريخ البشر، أو خطوة هامة بهذا الاتجاه، لا أقل، ولكن لا أكثر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق