ليس هذا مدحاً للانقسام ولا احتفاءاً به، ولكن لرؤيته بشكل آخر، ولإدارته على نحو مفيد وبما يخدم القضية الفلسطينية. باتت ثلاث ممارسات فلسطينية معروضة أمام العالم الآن، وعلى إسرائيل أن تختار من بينها ما تراه مناسباً، ولكن ما عاد بإمكانها تجاهل الكل. فهناك فلسطينيو 1948 الذين ما انفكوا يعلنون ويمارسون يومياً اعترافهم بالدولة العبرية، ولا يزالون يعاملون كمواطنين درجة ثانية، ولا تزال حياتهم المعيشية المزرية المفروضة عليهم ومدنهم البائسة التي يحيون بها دليل فشل إسرائيل على العيش حتى للمُثل التي تنادي بها وتدعي بأنها قامت على أساسها. يتوجب أن تمنحهم إسرائيل ليس حقوقهم بحدها الأدنى والتي لم يحصلوا عليها بعد بأية حال بل كلها، إن كانت محقة فيما تدعيه ليل نهار. وهم بين الاضطهاد اليومي والمعيشى والدعوات المتطرفة التي تدعو لإخراجهم من بلادهم يواصلون الحياة، معرين الدولة العبرية في داخلها ومن داخلها. وعبر ستة عقود لايزال فلسطينيو الـ 48 يعيشون في مدن مطوقة وأوضاع مادية مزرية متدهورة ويحاطون كمواطنون في بلادهم ولكن من الدرجة الثانية بالشكوك.
وهناك فتح وفلسطينيو الضفة. فهم معترف بهم، وتؤيدهم الدول الكبرى، ويدعمهم النظام العربي، وأصبح زعماؤهم زوار دائمون لعواصم العالم. يمكن لإسرائيل أن تجعل من الضفة الغربية مكان مصداقيتها بعد أن أثبت فلسطينيو الضفة مصداقيتهم التي طلب منهم إيضاحها: فلتوقف الاستيطان ولتنسحب من الضفة بالكامل ولتدع "الفلسطينيون المهادنون" يديرون حياتهم بالطريقة التي يودون. فلتكن الضفة الغربية المكان المناسب الذي تثبت به إسرائيل أنها تستطيع أن تتعامل أيضاً مع من يقبل بها ويعترف بحقها بالبقاء ويعطي الضمانات للتعايش المشترك. فلسطينيو الضفة متناغمون مع المقاييس الدولية التي وضعت للتعايش مع إسرائيل، وهم لم يطلقوا صواريخ ولا قذفوا الإسرائيليين بالآر بي جي حتى أيام صمود غزة. مرت شهور من المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، والأيام قادمة لمعرفة تصرف الطرف الإسرائيلي. لم تتراجع إسرائيل حتى الآن عن تصلبها وفرض جبروتها، وتصر على التحكم حتى بتنقلات الفلسطينيين شاملة بذلك ليس أفراد الشعب الفلسطيني العاديين، وإنما حتى رسميي السلطة وفي مقدمتهم رئيس السلطة نفسها. ويحار المرء إن بكى أو ضحك على فكاهة رئيس الوزراء القطري حمد بن جاسم آل ثاني حين أبدى استعداده للمساعدة في الحصول على ترخيص خروج له إن كان ذلك سيساعد في حضوره للقمة.
وبأية حال فهناك غزة وحماس. وإسرائيل ما توقفت عن معاقبتهم وهي لا تود إلا التعامل معهم على أن القطاع والسكان والمنظمات والقيادات كلها عش دبابير إرهابية ينبغي القضاء عليه. وهي قد حاولت في العقود الماضية ولم ولن تستطيع. وآخر ما تمكنت إسرائيل من فرضه عليهم إيجاد تصرف لم يسمع به من قبل أبدا: إعطاء الحق المطلق لإسرائيل للتسلح، وتشكيل قوة دولية لمراقبة تملك أبناء غزة لبنادق وأسلحة للدفاع عن النفس. ومع ذلك التصعيد إلا أن الدولة العبرية تفقد سيطرتها المطلقة، وباتت تتظاهر بالانتصار بدل تحقيق الانتصار نفسه، ويوماً بعد يوم يرغمها الصمود أحياناً والنجاح العربي في أحيان أخرى في صدامات عربية عدة ليس أولها معركة الكرّامة وليس آخرها غزة مروراً بحرب أكتوبر على تغيير مواقفها وإن لم تعترف بذلك علانية.
ربما تهزم إسرائيل حماس إن رغبت، وحسب مقاييسها، إن أثبتت لعرب الثمانية وأربعين أنهم يستطيعون العيش متساوين ومزدهرين شأنهم شأن الإسرائيليين. وتستطيع أن تنهي أسطورة حماس حينما تثبت للشعب الفلسطيني أن فتح قد حصلت على كل حقوق الشعب الفلسطيني حينما جنحت للسلم.
ولكن هناك القليل من الأمل بأن إسرائيل ستتمكن من فعل حتى الحد الأدنى من ذلك.
يروى أن الزعيم الجزائري الراحل هواري أبو مدين قد نصح ياسر عرفات باتباع النهج الجزائري في الكفاح حيث قدمت المقاومة الجزائرية لفرنسا دائماً خيارات متعددة تشترك فيما بينها في الرغبة في تحقيق الاستقلال، وتختلف في الوسائل.
استشهد عرفات وقادة فلسطينيون عظام آخرون، ليتمكنوا من إيجاد تلك الخيارات. الآن بات التعدد قائماً، ولم تكن إسرائيل بوضع أسوأ به من الآن في إثبات عقم أساليبها، وفشلها من التعايش في الشرق الأوسط.
بقي التحدي الأكبر بيد الفلسطينيين. فالانقسام الفلسطيني هوانقسام مرير ومؤس ولكن ربما ليس كله بسيء إن أعيد النظر فيه، وأحسنت إدارته. فهو وإن كان ليس مرغوباً به من ناحية، إلا أنه قد يكون مفيداً إن تم التعامل معه بحكمة وواقعية، وتمدن، إن أخذ التمدن بعصرنا الحديث ليشير إلى حسن إدارة الشأن السياسي بأعلى قدر من الواقعية.
إسرائيل تحاول النفاذ من الاختلاف الفلسطيني، وهي تود لو تفاقم الخلاف ليصبح صراعاً يومياً مريراً ودامياً يستأصل فيه طرف الطرف الآخر. وهي تود أن تستعدي طرف على آخر، وأن يتكفل طرف بالقيام بما تريد هي القيام به بدلاً عنها.
والوصول إلى معادلة صحيحة هو من الصعوبة بمكان ويتطلب حسابات سياسية ووعي كبير ودقة في الممارسة. ولكنها ممكنة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق