لم تخرج قمة الدوحة في مجراها العام عن التعامل مع القمم العربية واجتماعات الجامعة العربية كأحداث إعلامية بدرجة أساس. وكالعادة انتقد اللقاء نقداً إعلامياً، وجرى الحديث عن فقدان الضرورة لالتئام تلك الاجتماعات، بل وحتى الدعوة الأبدية والمكررة بإلغاء الجامعة العربية!
لكن قضايا مركزية عديدة تنتهي لطاولات الجامعة العربية بحكم أنها، وحتى إشعار آخر، التجمع الإقليمي الوحيد. ولست من الذين يستخفون بالجامعة، أو يقللون من شأن نشأتها بالقول بأنها وليدة مؤامرة بريطانية. كما أنني لست من الناس الذين يلقون باللوم على الجامعة نفسها، بينما اللوم يقع على خارجها، يبدأ وينتهي بالدول الأعضاء نفسها ويمر بالمثقفين والأحزاب، ولا يستثني المواطن. بآخر الأمر فالمؤسسة هي تحصيل حاصل للدول العربية نفسها، وتخلفها وتعاملها مع منظماتها الإقليمية بمنطلقات استخفاف وازدراء وعلى نحو خاص فإن العديد من الزعماء العرب يتعاملون مع القمم العربية بهذا المنطلق.
كان التصور السابق حول الجامعة العربية ينطلق من مقارنتها بمنظمات شبيهة تقع خارج المنطقة العربية، وكانت المقارنة تمر دون أن يكون لها تأثير: فالخارج هو الخارج، والمختلف عنا مختلف، وتكر سبحة التبريرات من المنتمين له متطورين وراقيين وجادين ولا يشبهونا في شيء. باختصار ليس هناك من إمكانية للمقارنة من الأصل فكيف أن تتم بغرض شحذ الهمم للانتقال إلى وضع أفضل، ونحن لا نستطيع فعل شيء وكفى الله المؤمنين شر القتال.
وظلت الأمور هكذا حتى برز مجلس التعاون الخليجي. نشأ المجلس خارج نطاق عواصم المنطقة العربية التقليدية. نشأ بين دول عربية وفي أوساطها وبها ولأجلها. ولم يكن الخليجيون بمنأى عن الكثير من التصرفات السابقة للجامعة. ولكنهم وحين أنشأوا المجلس أتوا بممارسة جديدة تماماً.
لم تكن تجربة المجلس هي التجربة الإقليمية الوحيدة، فلقد قامت «وحدات» أو «اتحادات» عربية عديدة بين دولتين عربيتين أو أكثر، في المشرق كما المغرب، ولكنها لما تبارح الورق الذي صيغت عليه، وأفضت فيما أفضت إليه إلى شعور المواطنين بالإحباط من الممارسة الوحدوية نفسها، بغض النظر عمّن كان المسؤول عنها.
ويتحمّل المواطن المتخلف أصلاً المسؤولية في كثير مما يجري. فهو الغارق بالسلبية، وفي الأوهام حول بناء الدول الحديثة، ودوره في قيام المؤسسات الإقليمية والمتعلق بدوره بالإعلام كمقياس أداء، لا يرضى عن ممارسات القادة: إن أقاموا منظمات أو إن فضّوها؛ إن التقوا باجتماع أو لم يتداعوا له.
وقضى القادة العرب القادمين عقوداً حتى اقتنعوا بأن تلتئم قمتهم دورياً، وأن يتم ذلك بتسلسل أبجدي نزوعاً نحو ألفباء الديمقراطية. الخليجيون لم يضيعوا كثير وقت: فمنذ البدء حافظوا على انتظام قممهم مرتين بالسنة، تليها وتتداخل معها اجتماعات وزارية بانتظام وضبط. وبدأ هذا التواتر ينتقل شيئاً فشيء إلى منظمات غير حكومية.
كانت شكاوى المواطن الخليجي عن محدودية فعل المجلس لا تقارن بما يشتكيه المواطن العربي من جامعته. اشتكى الخليجي بالأساس من البطء في الأداء، ولكن لم تلاحق مجلس التعاون اتهامات وجود فجوة بين القرارات والتطبيق ولم يتحول مقر المجلس إلى خزانة رديئة لحفظ مقررات لا توجد نية لتطبيقها، وإن وجدت تُفْتقد آلية التنفيذ. ومع الوقت تزايدت صلاحيات اجتماعات المجلس، وبات يقرر في كل مناحي الحياة بالمجتمع الخليجي: من النواحي العسكرية وإقامة منظومة درع الجزيرة مثلاً إلى إقامة السوق الخليجية المشتركة، ومن الوحدة النقدية إلى إقامة المصرف المركزي الموحد.
وبالمقارنة لا تزال جامعة الدول العربية تحتفظ بقرارات تاريخية حول مسائل وإجراءات لم تر النور.
ولا تهدف هذه المقارنة لأي شيء عدا إزالة الاقتناع بوجود عالمين: عالم عربي وعالم آخر مختلف بإيجابياته وسلبياته، وأن ما ينتج عن الثاني وينطبق عليه لا يمكن الحصول عليه أو تطبيقه على العالم العربي. مجلس التعاون قذف بكل ذلك الهراء إلى الوراء.
وبالعودة إلى قمة الدوحة، فلا يزال بعض الرؤساء يأتي لها كما لو كان قادماً إلى سوق المربد، حاملاً معه قصيدة. وجل ما يريد هو مناكفة زعيم آخر ليس عبر مناقشة سياسية أو جدل سياسي مطوّل وإنما مماحكة لا يستغرق عرضها دقائق، فتحدث فرقعة إعلامية ساذجة، تليها مصالحة عربية محفوفة بمقالات وتعليقات.
والكل ماشي في هذه الهليلة، بما فيها الدول الخليجية، التي باتت تحضر جلسات الجامعة العربية لدرء المخاطر، وتفادي الإحراجات السياسية بينما تحتفظ بقراراتها الأهم لاجتماعاتها الخليجية.
الجامعة العربية لن تزول، والقمم العربية ستستمر، وستواصل الحدوث ليس لتلقائية عبثية ولكن لوجود حاجة ولأن توافر بعض الأشياء خيراً من غيابها الكامل.
وسيبقى توازي حضور مجلس التعاون والجامعة العربية دليلاً على أن بإمكان الدول العربية أن تفعل إن وجدت الإرادة السياسية، وخلقت آليات العمل، وغودرت عقليات.
وهناك خطوات يمكن للجامعة العربية أن تحققها، وهي لن تحققها إلا بضغط شعبي. وأول هذه الخطوات هو أن يكون منصب الأمين العام دورياً بين الأعضاء، لتحقيق شيئاً من الدمقرطة ولبث دماء جديدة في أوصال الجامعة. ولكي يتحقق مثل هذا الطلب، ينبغي أن يكون هناك تحرك شعبي يتقدم بمطالب محددة مرتبطة بمدد زمنية محددة. وبغير هذا سيشترك الناس والزعماء في النظر إلى الجامعة العربية وقممها كأحداث إعلامية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق