يمكن لتقرير اتحاد غرف تجارة وصناعة دول مجلس التعاون أن يشكل متكأً معقولا لمعرفة طبيعة النسخة الخليجية من الأزمة العالمية المالية، وطرائق معالجتها. وما رشح من التقرير هو مجرد ملخص ولكنه إن حافظ على دقته يمكن أن يعطي مؤشرات لما هو قائم بالخليج ولاستشراف آفاق المستقبل.
بعيداً عن الإثارة الإعلامية والتقارير المتسرعة، والأبحاث الناسخة لظروف تختلف عن ظروف الخليج فإن هذا التقرير يتحدث عن ظواهر انتقال الأزمة من العالم إلى منطقة الخليج، ثم يستنبط حلولاً ويدعو إلى اتخاذ إجراءات.
وقبل استعراض بعض جوانب انعكاسات الأزمة تجدر الإشارة إلى أن دول الخليج، وأحياناً الصين، كانت هي المتجه لزعماء الغرب الذي اكتووا بنار الأزمة، وفي مقدمتهم جوردون براون، في محاولة للحصول على رساميل وأموال لمواجهة المصاعب التي حاوطتهم. وهذه الملاحظة ليست نفش ريش غرور، ولا وسيلة للنظر من علٍ، أو للتمنن، إنما للتأكيد بأن الخليج لم يكن يمر بأزمة شبيهة لأزمة الغرب، بل أن الأخير وجد في الخليج الموقع الذي يرى فيه إمكانية الحل. والتقى في ذلك القطاع الحكومي كما القطاع الخاص. وكما أتى جوردون براون للخليج اتجه مصرف باركليز لأبوظبي تيمنا في تحقيق شراكة بالمساهمة.
والقصد أن الخليج لم تكن به أزمة شبيهة بأزمة الأموال والأرصدة الحاصلة بعواصم المال العالمية. والأثر المباشر الأقوى الذي لحق بدول الخليج تمثل بشكل أساس في توقف تدفق الأموال المستثمرة من الدول المتقدمة إلى الخليج. وهناك تراجع في أسعار النفط لا يبدو أن الأزمة المالية العالمية كانت وراءه، وأتى التراجع بعد فترة من الارتفاع غير المسبوق والذي راكم أموالاً أنقذت دول الخليج في فترة الأزمة.
مثل هذه التصورات خاضعة لما نراه حتى الآن، وبناء على معطيات الوضع الراهن، وهي أمور ليست مستقرة ولايمكن أن تضفى عليها صفات الإطلاق. ولكنها قائمة والقبول بها يصلح للتعرف على طبيعة ما تمر به دول الخليج وإيجاد الحلول.
أبرز التوقعات هو تراجع النمو من 5.6% (2008) إلى 3.6% (2009) وانخفاض معدل الإنفاق الحكومي بسبب تراجع أسعار النفط وتراجع الطلب على مواد البناء والصناعة. ولكن التقرير يلحظ أيضاً أن تأثيرات تلك العوامل سيكون محدوداً ويتوقع أن يلتقط الاقتصاد أنفاسه سريعاً وأن يعتدل النشاط الاقتصادي وينمو نمو بـ 3-4 % (2010(. ولا يغفل التقرير أن الحسابات الجارية للبلدان المصدرة للنفط ستتحول من تسجيل فائض بلغ 400 مليار دولار (2008) بمقدار 30 مليار دولار (2009). وهذا انخفاض يمكن احتواؤه والتصور للتقرير لوجود تراكم سابق ناتج من فترة ارتفاع الأسعار السابقة.
يتحدث التقرير أيضاً عن خسائر فادحة لحقت ببعض المؤسسات المالية الخليجية، ولكنه يغفل سبب تلك الخسائر هل هي ناتجة عن تراجع أصولها في الخليج أو أن ذلك قد حدث بالأساس لكون تلك المؤسسات تستثمر في الغرب، وبانخفاض أسعار استثماراتها، سجلت كشوفاتها الدورية وبالضرورة مثل تلك الخسائر.
ومن الطبيعي أن يلحظ اتحاد الغرف الخليجية بحكم كونه ممثل القطاع الخاص تراجع الصرف الحكومي. فلا تزال الصفة الغالبة على دول الخليج كونها دولاً ريعية تجري فيها عجلة الاقتصاد عبر مرور مدخولات النفط من بوابة الإنفاق الحكومي إلى القطاع الخاص ومن خلاله لفئات اجتماعية أخرى. ولذلك فانخفاض الصرف الحكومي سيعني تراجعاً في مصادر الأموال التي تغذي مشاريع القطاع الخاص بتنفيذه لمناقصات الطلب الحكومي المتمثل في مشاريع البنية التحتية وغيرها.
لم يشر التقرير إلى انعكاسات حادة لتلك الأزمة على قطاعات واسعة من العمالة الخليجية المحلية، وإن كان يتوقع أن يلحق أثراً ليس بالكبير بها. ويعود السبب الرئيس في ذلك إلى محدودية انتقال الأزمة منذ البدء إلى الخليج، وكونها ليست محلية منذ الأساس. ثم أن اليد العاملة الوطنية محدودة الحجم، بل وأوحت بعض الجهات المعنية بشكل مباشر وغير مباشر بأنها تفضل ألا تكون اليد العاملة الوطنية هي الجهة المتعرض للتسريحات. وأبرز مثال هنا هو مصرف البحرين المركزي الذي تمنى في رأي غير ملزم على المؤسسات المالية التي قد تضطر إلى التخلص من بعض الزائد من عمالتها ألا تكون الوطنية منها هي التي يحل بها التغيير.
وحيث أن الدول الخليجية تتعامل مع اليد العاملة الأجنبية على أنها عمالة مؤقتة تستفيد من الرواج الخليجي لفترة من الزمن تعود بعدها لبلادها، فقد تعاملت مع قيام بعض المؤسسات الخليجية بالتخلص من بعض عمالتها، ويتوقع أن تكون بشكل أساس في دبي، على أنه إنهاء مبكر لعقود مؤقتة بأية حال. ثم أن التقرير يطالب بإيجاد بعض مسارب لدعم اجتماعي للعمالة الوطنية.
تبقى الإشارة إلى أن التقرير وانطلاقاً مرة أخرى من كونه يمثل القطاع الخاص قد انغمس في دعوات لمواجهة الأزمة عبر تفادي الركود الاقتصادي وأن تعمل الحكومات الخليجية لتحافظ على مستوى الصرف وعلى المشاريع المقرة بل وأن تنخرط في إيجاد برامج تحفيز لتنشيط الاقتصاد الوطني.
ولكن أليس في كل ذلك التنشيط توسيع للطلب على العمالة الأجنبية، وألم يكن هذا الانكماش المؤقت فرصة ذهبية لدول الخليج لكي تمارس مراجعة لسياساتها إزاء العمال الوافدة والتي تتهدد النسيج الاجتماعي لدول المجلس؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق