شاعت دعوات بدول مجلس التعاون في تسعينيات القرن الماضي تدعو لتأسيس مراكز دراسات استراتيجية، كل يرتبط بدولته وبعضهم تقدم وأسس مراكز بهذا التخصص، وبعضهم فضل الاستمرار في الاعتماد على مؤسسات بحث استراتيجية دولية، حين تلوح في الأفق بوادر أزمة، أو حين تندفع الأمور باتجاه الحرب. وظلت البحرين أقرب للأخذ بالخيار الثاني، حتى تأسس مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة عام 2009.
وتختص مراكز الدراسات الاستراتيجية من دون غيرها في متابعة التطورات الإقليمية والدولية لاستخلاص مؤشرات تؤثر على مصالح الدولة الحيوية الشاملة. وفي ذلك من الضروري الكثير ومن الاتساع ما قد لا يدرك، وخاصة في ظل تواضع ميزانية البحث، واستمرار نفور التربة العربية من الجهد العلمي المستقرئ والثاقب والمداوم والمراكم.
وحين احتفل مركز دراسات بذكرى تأسيسه الخامسة، بدا جليا للقائمين عليه والعاملين به: عبء الحمل، وتطلُّب الواجب، والاستعداد للعمل، والتمتع بالابتكار. وضم المركز بهيئاته القيادية الثلاث ودوائر عمله اليومية مجموعة عقول وخبرات محلية وإقليمية ودولية متملكة لكفاءات قادرة على التفاعل مع الواقع، والاستجابة للتحديات، ومشارفة المتغيرات، واستكشاف المؤشرات. وليس كاتب العمود في موقع الناصح المتأستذ بقدر ما هو في مكان المواطن المتواضع: يدون ملاحظة هنا، ويأتي بمقترح هناك فيحصل على أجر من عند الله مرات كثيرة ويصيب أجرين إن أصاب في مراته القليلة والمتباعدة. وفي هذا الصدد يدوّن الكاتب لنقطتين: أولها، الميزانية. فميزانيات البحث العلمي، ودعك عن الاستراتيجي منها، أصبحت تكلف الكثير وباتت مؤسسات حتى مثل جامعات كيمبريدج هارفرد تئن من ضغوطات كلف الحياة المعاصرة وشحة الباحثين الجادين. أصبحت الجامعات تحاول أن تغري الباحثين الواعدين بشروط مثل إلزامهم بساعات تدريس أقل ولربما إلى حد التفرغ الكامل. وتضيف لذلك السعي لإيجاد استثمارات كافية لتغطية وجود الباحثين لديها وليحيوا الحياة المنتجة بين ضهرانيها، متجاهلين الدعوات للتغيير والانتقال. وما أكثرها. وباختصار فعلى الحكومة أن تستجيب بتفهم، هذه الأيام لأية طلبات من جهات البحث في البحرين، والمركز من بينها، لزيادة ميزانياتها، وأن تنظر لمثل هكذا مطلب إن برز، على أنه مظهر لاتجاه لاتساع ضرورات الدراسات والأبحاث، وازدياد كلفها.
وختاما، فإن توزيع المركز لكتابين عن تاريخ البحرين يذكي في النفس الشعور بأن موضوع التاريخ في المملكة هو شأن استراتيجي للبحرين ولقد تسرب الكثير من الوعي للبحرينيين بعد أحداث اللؤلؤة حول ضرورة دراسة تاريخ البحرين وطبيعة نسيجها السكاني. ويختلف أمر الشقاق بين البحرينيين في أمور السكان، وطبيعة أهل الجزر الأقدمون، وارتباط ذلك بهجرات عربية منتظمة منذ فجر التاريخ، عن شقاقهم في أمور حياتية أخرى. وبات متوجباً على مركز الدراسات تدبر أمر نفسه ليلبي حاجة البحرينيين لجهة موثوقة تؤرخ لماضي البحرين، وتصدر نتائج عملها بانتظام. فاختلاف البحرينيين على تلك الأمور ليست مما يمكن تجاهله لنتائجه السلبية المتوقعة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق