حين يذهب المرء إلى طهران، لا يبقى مسؤول لا يتحدث عن صدق النوايا إزاء الدول الخليجية عامة ومنفردة، ويرفق ذلك بمشاريع عملية تبدي الجمهورية الاسلامية استعدادها لإقامتها في أي دولة خليجية. ويأتي على رأس ذلك الاستعداد للتشارك في معارف إيران وتقنياتها، مع الجيران، بدءاً من مصنع صناعة السيراميك، مروراً بمصنع للحديد والصلب وانتهاءاً بسر الأسرار وجوهرة التطور العلمي الإيراني تلك المتعلقة بالاستخدام السلمي للطاقة النووية.
ذهبت ضمن وفد صحفي جمعنا بمسؤولين كبار بطهران من بينهم منوشهر متقي وزير الخارجية، وداود جعفري وزير الاقتصاد ونائب محافظ إصفهان ومدراء لشركات ومصانع. وكانت لهجتهم تصب في ذات الطبيعة. وترافق ذلك كله مع قدر هائل من المعلومات زُوِّدنا به، يتحدث عن تغييرات في مناهج الاستثمار الأجنبي، وإدخال مزيد من الحريات الاقتصادية، ودعوات للمشاركة في مشاريع مفتوحة للأجانب في داخل إيران.
عدت بعدها للساحل العربي من الخليج، وبالتحديد للبحرين. وصدف أن حضرت مناسبة ضمتني وعديد من التجار والمستثمرين والأكاديميين البحرينيين. بدأت بعرض الرسائل الإيجابية التي معي، وناقشت معهم ما دار مع كبار المسؤولين الإيرانيين، ورؤساء المؤسسات الاقتصادية، وفوجئت بأن العزوف عن التفاعل كان سيد الموقف، وأن التجار كانوا يستمعون لي بحذر شديد إزاء ما نقلته ونشرت بعضه في الصحف البحرينية.
لا يمكن بالطبع أخذ البحرين كممثلة لكل دول الخليج، فهناك دبي التي تعطي مثلاً معاكساً تماماً، فهي الشريك التجاري الأكبر لإيران في العالم. بل لطالما، لوّحت الجهات الإيرانية أثناء زيارتي لطهران والتي امتدت لأيام، بالمثل الإماراتي لتطرح إمكانيات التشارك وضروراته بين الدول الخليجية. وما يقوله الإيرانيون هو إن كانت دبي الصغيرة الحجم تقوم بمثل هذا، فما المانع من أن يقوم آخرون بشيء مقارب له إن يكن مثله. ويختفي أسفل هذا القول درس آخر: فإن كانت الإمارات، والتي بينها ما بينها من خلاف حول الجزر مع الجمهورية الاسلامية، تتعاون، فما حجة الآخرين؟
وحين سألت أحمد جمالي مدير دائرة الاستثمار الأجنبي بإيران بنحو خاص عن العلاقات مع عمان أكد وجود مجموعة من المشاريع الاستثمارية لإيران داخل عمان.
إذا يبقى الاستنكاف البحريني، والقائم ضمن القطاع الخاص بالطبع، لافتاً للإنتباه، إلا أنه ليس معزولاً عما يجري في الطوايا وليس النوايا. فالعديد من المستثمرين الخليجيين يتبنون الرأي بأن الأطروحات الإيرانية تدخل في باب االعلاقات العامة أكثر مما تقع في باب الوقائع والقوانين والاقتصاد على الأرض، ويضربون مثل أن حق الملكية القائم نظرياً، بينه وبين التطبيق صعاب وصعاب، مما يجعل المستثمر يستنكف عن الدخول فيه. ثم يعودون ويقولون أنه رغم رغبة التجار في البعد عن الإشكالات السياسية، إلا أن العلاقات بين الضفتين لا زالت بحاجة إلى ترطيب أجواء أكثر لكي تضيء حكومات الساحل الغربي للخليج مزيداً من الأضواء الخضر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق