قال لي رئيس أحد الأقسام بوزارة الصناعة والتجارة بعمان أثناء زيارة لي قبل سنوات تلبية لدعوة كريمة من الوزير مقبول بن علي سلطان، أن الوزارات العمانية، باتت في بداية كل سنة تطلع على أجندة اجتماعات مجلس التعاون الخليجي على مدار السنة ، وتنطلق من تلك الاجتماعات حين جدولة اجتماعات الوزارة ومهامها لذلك العام.
لفت انتباهي حينها تلقائية الرواية، فلم يرد بها ما يشي بأن تلك هي توجيهات أو نصائح من جهات أعلى، وإنما هي اتجاه تأخذ به وزارة ولربما بقية الوزارات هناك. وأبحت لنفسي أن استنتج نظراً لانتظام اجتماعات مجلس التعاون أن شيئاً من هذا النهج يجري الأخذ به، على تفاوت، في بقية دول مجلس التعاون.
وها قد مرت 26 عاماً انتظمت فيها اجتماعات مختلف الهيئات المتعلقة بمجلس التعاون بما فيها مؤتمرات القمة، والتي عقدت حتى الآن 28 اجتماعاً في 26 سنة وهو رقم مقبول ويشي بالاقتناع بضرورة عقد الاجتماعات وتواتر بانتظام ووجوب حضورها بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف حول جدول أعمالها.
ولكني لست عن هذا وددت الحديث، وإنما رغبت في الإشارة إلى أنه وسط مصاعب جمة أحاطت بالتجربة الخليجية، إلا أن ربع القرن الماضي شهد استمرار التجمع وإصراره على المضي، والتبلور في جسم برز ونما وسط لهيب ثلاث حروب محلية على الأقل، استطاع التعايش معها وتجاوزها.
يقف خلف ذلك شعور شعبي بأن هذا التجمع ليس مجرد منظمة إقليمية وإنما هو تجمع لست دول بينها من الوشائج والعلاقات والمصالح ما يمكن أن يبلور هوية مشتركة باتجاه بناء كيان في المستقبل. اقتربت الدول الست في الجغرافيا، وتداخلت في التاريخ، وتشابهت بكثير أو قليل في اقتصادياتها. وعلى رغم وجود النفط في دول عربية إلا أن تأثير النفط على الدول الست كان متقاربا فيما بينها بقدر ومتمايزا عن دول عربية أو دول مجاورة أخرى.
يصعب الخروج باستنتاجات، وبناء فرضيات، وإيجاد نظريات عن تلك الروابط ومدى قدرتها على حسم خيارات شعوبها بهذا الاتجاه أو ذاك. على أن من المؤكد أن صيغة المجلس قد نجحت حتى الآن والدليل في ذلك استمرارها. ويسوّغ هذا الاستمرار بحد ذاته للقول بوجود أسباب عميقة تتجاوز المصالح الاقتصادية المباشرة ، والتنسيق فيما بين تلك الدول في بعض الأمور العملية.
من وماذا سيقرر صحة مثل هذا الرأي؟ لا شيء أكثر من التجربة، والاستمرار فيما كان قائماً حتى الآن، وإحاطة كل ذلك بوعي ديمقراطي لشعوب المنطقة: فتقبل ما تراه مناسباً ومتماشياً مع مصالحها، وتنبذ ما يخالف ذلك، وتبقي عيونها ساهرة، وتشحذ قدرتها على التأثير والفعل في مجريات الأحداث، إن سارت الأمور ببطء حثّت، وإن تسارعت الأحدث هوّنت، وإن طرأت أمور لم ترق لها عارضتها. والأيام حبالى، وللتوقع عوامل داعمة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق