التقيت قائد الأسطول الخامس الأمريكي في الخليج، نائب الأدميرال كيفن كوسغريف في لقاء لا يودع فيه القيادة ومنطقة الخليج وإنما أيضاً يودع فيه العمل العسكري بمجمله متجهاً للتقاعد أولاً، وللعمل في نشاطات أخرى قريبة على الأرجح من الأعمال.
كان قد تردد على الخليج لما يقرب من ربع القرن في مهمات متعددة، واستقر بنحو خاص في منصبه الأخير، لمدة تقل قليلاً عن السنتين، كقائد للقوات البحرية المشتركة وقائد القوات البحرية الأميركية التابعة للقيادة المركزية، وقائد للأسطول الخامس الأميركي. وآثر تلك السنتين في لقائه الوداعي ببضع كلمات تظهر سعادته أثناءهما، وبامتنانه للبحرين وتقديره لما مايحدث بها من تطورات.
كان كوسغريف هادئاً وأفسح المجال لأسئلة ما كان ليجيب عليها لربما لو كان لا يوشك على مغادرة الخدمة، أو لربما لو لم يكن الوضع بمثل سخونته في مضيق هرمز. كان محدد الكلمات فيما يخص هرمز: فهو يعتقد بأن ما يأتي من طهران من تصريحات هي أمور غير مفيدة، ولكن وعلى رغم ذلك فهو لا يعتقد بأن الجمهورية الإسلامية ستقدم على إغلاق المضيق، على أنه إن خابت توقعاته فأميركا لن تسمح بذلك. وهو يقول بأن هذا المضيق بغالبيته الساحقة ليس بإيراني، وأن هذا شريط يمر به 25% من النفط المستهلك في العالم وبالتالي فلن يكون الممكن السماح بإيقافه.
أثرت مع نائب الأدميرال بضعة أمور أولها: هو رجل يحرس بالأساس مصالح اقتصادية، وهو دور يختلف عن الدور الذي كان يقوم به العسكر الأميركان في أرجاء المعمورة أيام الحرب الباردة مثلاً، حينما كان هناك الخوف من السوفييت وانتشار الشيوعية، فهل يشعر بأن مهمته الخليجية مختلفة، وهل طبيعة جدول عمله اليومية لا تتماثل وتلك التي يقوم بها جنود أميركان في مناطق أخرى من العالم في هذه الأيام.
قال الرجل بأنه صدف وأنجزت القوات العسكرية البحرية الثلاث في أميركا (الأسطول وحرس السواحل والمارينز) وضع استراتيجتها البحرية للقرن الواحد والعشرين، وأن تلك الاستراتيجية لا تزال تأخذ بأن مجال أميركا الطبيعي هو التواجد في المياه الدولية وامتلاك الفرصة للتفاعل مع قوات بحرية أخرى وأن هذا الاتجاه يتضمن تحقيق السيطرة على البحار وهو ما يتضمن السيطرة على البيئة المحيطة والماء من تحت والسماء من فوق. وأن تلك الاستراتيجية تتضمن أساساً وجود القدرة على الردع. وأن تلك القدرة يمكن لها أن تمارس إن جرت محاولة إعاقتها، ولكنها تكون كافية لمنع ضرورة اللجوء لممارسة تلك القدرة. وبيّن أن تلك الاستراتيجية تتضمن مسائل اقتصادية تتمثل في المحافظة على حق ممارسة مسائل مثل الصيد والإبحار.
وسألت الرجل سؤالا عن كيف ترى القوات الأميركية نفسها وهي تنتقل من كونها قوة عسكرية تخص أميركا إلى قوة عسكرية ينبغي لها أن تمثل العالم، وتتحمل مسؤوليات دولية.
تحدث كوسغريف عن أن القيادة الدولية للعالم بدأت تتبلور في قيام التحالفات الدولية التي تنفذ المهام، بل وضرب مثلاً على ذلك بالقيادة البحرينية وحدة قوة الواجب المشتركة "152". وقال بأن التواجد ضمن ذلك التحالف يوجد بيئة عالمية، ويعطيها مسحة محلية عبر مساهمة القيادات المختلفة في بلورة تلك القيادة وقال إنه على رغم من قيامه بإقرار خطة القائد البحريني إلا أن الخطة أعدها خليجي. وأن في ذلك إضافة وبلورة لقيادة دولية.
وتعليقاً على حديث القائد الأميركي يشار إلى أنه وعلى المدى البعيد سيصبح العالم ربما دولة واحدة، تحكمها جهة واحدة، وتنظم سيرها اليومي قوة مركزية واحدة. هذا ما يبدو في اتجاه كوكبنا، وسيرورة تطوره.
من سيبقى ومن سيستمر في رحلته إلى تلك المرحلة هو رهن ليس بسؤال القوة الأكبر وإنما أيضا بوعي القوى المختلفة لهذا الاتجاه، ووضع خططها للتناغم معه، ومعانقته، ومن ثم وضع الخطوات التي تحفظ الهويات والتمايزات والحقوق والمصالح المختلفة.
لا يعرف كم سيأخذ هذا الاتجاه ولا كيف. ولكن الأمم التي ستعي ذلك وستهيئ نفسها له ستكون الأقدر على الاستفادة.
ترى كيف سيكون الخليج بعد عشرين عاماً، أو خمسين عاماً أو مائة عام؟ بل كيف سيكون العالم؟ يدخل ذلك فيما يسمى بالدراسات المستقبلية أو الاستشرافية والتي بدأت بعض مؤسسات البحث والدراسة الخليجية في العمل عليها ومن بينها على سبيل المثال منتدى التنمية الخليجي، ومركز دراسات الخليج بدبي.
لاتزال عقليات الكثير من القوى العربية تجد نفسها في حالة تضاد وتناقض مع العالم وتوجهُه نحو التوحد، حاملة في النفس الكثير من أيام أخرى مضت حين كان الصراعات على أشدها، والحروب مستعرة، ودول تسيطر على دول، وأقوام تهيمن على مقدرات شعوب.
لم تنته كل هذه المظاهر، وستستمر معنا إلى زمن. فلا شك أن هناك دول وأميركا أولها بحكم أنها القوة العظمى الوحيدة في العالم، تحكمها عقليات سابقة، وتنتشر في أوساطها جماعات متطرفة، ويزخر تاريخها بكل ما يدعو إلى الرغبة في السيطرة على الآخر والتحكم به. على أن هناك عاملاً أساساً قد اختلف وهو أن الإنسانية قد باتت تستشرف عالماً آخر، يمكن للبشرية أن تعيش فيه بسلام، وأن تنشر في أوساطها المساواة والعدالة. وهذا العالم الذي بشّر به الكثيرون من قبل، ولكن كانت تقف في وجهه عدم اكتمال عناصر حدوثه، بات يتراءى للإنسانية، وباتت مؤسساته ترتسم أمام ناظر البشر.
ولكن بعض النظرات العربية لا تحتفظ فقط بذكريات الفترات السابقة بل هي أحياناً تتخلص من مسؤوليات التقدم للمرحلة القادمة عبر التأكيد على أيام الصراع، وعدم استجماع القوى وترتيب الذات لتملك قدرات البقاء والاستمرار. فمثلما كانت لأيام الصراع مواصفات للمواجهة وتملك القدرة، كذلك للإيام القادمة متطلبات وشروط. وهي مختلفة والقليل منها ينتشر في أوساط العرب.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق