استمعت للكلمات التي ألقاها خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة فتح أبان حصار غزة، وأخص بالذكر آخرها والذي أعلن فيه الانتصار. وأتفق معه على أن صمود غزة سيشكل منعطفاً هاماً بتاريخ الصراع العربي الإسرائيلي. وأود أن أشير أن هذا المنعطف نفسه لم ينته ولا تزال هناك معارك ستواجهها حماس، وهي أعلم، بعد الأسابيع القادمة، ستتركز أساساً على محاولة الالتفاف على الإنجاز العظيم الذي تحقق بفضل صمود غزة، ومحاولة سرقة الانتصار من الجهة الأساس التي أسهمت في قيادة هذا الصمود الأسطوري. لقد تمكنت حماس من إعطاء إسرائيل درساً آخر إن رغبت في فهمه، وأشك كثيراً في ذلك، أن عليها أن تراجع نفسها وتعيد النظر في طرائق تعاملها مع الجوار الذي تعيش فيه.
لا أضع نفسي في موقع المذكّر بأن هذا النصر ليس وليد اليوم فقط وإنما يمتد لعقود من السنين قدّم فيها الفلسطينيون تضحيات ضخام، وأسهمت فيه المنظمات الفلسطينية المختلفة كل بقدر وكل بطريقة.
لربما تحتاج حماس في هذا الوقت إلى أكبر قدر من الحكمة، واتساع الصدر والتواضع، ومن تواضع لله رفعه. إن كانت حماس قد انتصرت في غزة فقبلها صمد الفلسطينيون، بقيادة منظمات أخرى في مواقع أخرى، وكم أود لو ترى حماس الرابط بين المعارك الأخيرة ومعارك الكرّامة وأيلول بالأردن وصمود بيروت في وجه الغزو الإسرائيلي للبنان قبل ربع قرن من الزمان. كلها معارك متصلة، قادتها زعامات مختلفة، أسهم كل منها مرة أخرى بحسب المستطاع.
الفلسطينيون، وهم العالمون بأمرهم، بحاجة إلى الوحدة أكبر من أي وقت مضى، ولكنهم بحاجة وبالقدر نفسه إلى أكبر قدر من الديمقراطية والشفافية تجاه بعضهم البعض، والبعد قدر الإمكان عن الاتهام والاتهام المتبادل وبشكل خاص تفادي اتهامات التخوين والفساد دون ربط ذلك دوماً بالدليل وأن يتم حسب الأسس القانونية.
تروي الحكايات أن الفلسطينيين حينما واجهوا المؤامرة الصهيونية في أربعينيات القرن اتخذ كثير من السكان منهم قراراً، أو أرغموا عليه بتهديد البندقية، بالنزوح ورأوا أن ذلك هو الحل الأفضل للاستعداد والعودة، وعلى أساس أن تلك العودة لن تطول. طال النفي، وبعدت فلسطين، ومن غادرها لم يعد إليها، وهو يمر بمرحلة انتزاع حقه منه بالكامل.
في ذلك الوقت قررت جماعات متفرقة من الفلسطينيين البقاء والصمود في داخل منازلهم وقراهم. ولم يلاق قرارهم استحسان النازحين، ولربما رأى بعض النازحين في ذلك تقصيراً من قبل المتبقين. مرت السنون، وشكل المتبقون ما بات يعرف بعرب الثماني والأربعين، وهم يشكلون أحد أفضل ضمانات عروبة فلسطين. لربما صلح هذا المثل للإطلال على اختلاف بعض الرؤى ضمن بعض الظروف.
واليوم أيضاً هناك السلطة والضفة. وبشيء من الحكمة والتنسيق يمكن للسلطة أن تستفيد من الاعتراف الدولي بها، ويمكن لحماس الاستفادة من خصائص وجودها بغزة لأهداف أخرى. ولكن لربما ليس من الحكمة بشيء التقاذف باتهامات والفلسطينيون أخبر بكيفية إيجاد القنوات لبحثها وحلها. والمعارك مع الدولة العبرية لم تزل في أول أولها. وإذا كانت معارك غزة قد أثبتت شيئاً فهي أهمية التكاتف والتساعد والتعاون.
قبل سنوات كان عرفات يقول أن الدم الفلسطيني-الفلسطيني هو خط أحمر. وأيامها كان الشيخ ياسين يقول أن الاقتتال الداخلي خط أحمر. هل يمكن استعادة حكمة تلك الأيام. تسعة أعشار عوامل انتصارات إسرائيل أخطاء عربية وكثير من العشر الآخر يعود لظروف دولية. وآن للعرب أن ينهوا اعتماد إسرائيل على نقاط ضعفهم.
استمعت إلى خطاب مشعل الأخير، وسررت حينما أعلن بأن هذا هو انتصار الفلسطينيين الأول على أرضهم. ولكن حتى هذا الانتصار إنما يجد جذوره في تضحيات ضخام ما برح الشعب الفلسطيني يقدمها لما يقترب الآن من قرن من الزمان. وإن كان السابقون لم ينتصروا فقد فرشوا بأجسادهم الطريق لانتصار غزة الأخير، وإن كان القطاع قد حقق نصره بقيادة حماس هذه المرة، أو على الأقل حرم إسرائيل من القول بانتصارها، فلأن شلالات الدم السابقة قد سالت لتجرب حظوظها بمواجهة عدو عضوض يستقوي بالعِلم، ويستعين بقوى عظمى، ويعتاش من جهل العالم بما جرى ويجري بهذه البلاد.
وددت لو كانت لهجة مشعل أكثر تسامحاً مع القوى الفلسطينية الأخرى، فحماس بحاجة إليهم بقدر حاجتهم لها. وقديما وحينما انتصر النبي صلى الله عليه وسلم في مكة عفى عن أعدائه، فحري بالإنسان أن يفتح صفحة جديدة مع أخوته وحلفائه. لربما كانت الحاجة أكبر لتقليل شروط اللقاء والتحالف، وزيادة الاستعداد، وغسل القلوب وفتح الصدور والعمل من أجل استنشاق رياح جديدة.
معركة غزة كانت بمثابة محطة باهرة وباعثة على الكثير من الثقة، ولكنها موقعة تليها مواقع وهي ليست بنهاية الحرب. وستواجه حماس معارك التآمر الدولي عليها قريباً التي ستأتي مترافقة مع المساعدات ومع آلة المؤسسات الدولية التي تتحكم فيها أميركا وأوروبا، بل ولربما يأتيها حتى الدعم العربي للإعمار مربوطاً بشروط وشروط. ومواجهة كل تلك المستحقات ستتطلب خبرات وصفات ليست مثلها مثل التي رأيتم بغزة. تتطلب حكمة ومرونة وبعد نظر وخلق تحالفات أولها الداخلية منها.
يصعب على منظمات فلسطينية خاضت حروباً وقدمت تضحيات وقادت الشعب الفلسطيني في الأربعة عقود الماضية أن تجد نفسها في موقع اتهامات بالفساد والتعامل مع إسرائيل ومع أعداء الشعب الفلسطيني. بل ويصعب عليها حتى الإقرار بأنها لربما أخطأت في التقدير، وأنه لربما أن بعض قياداتها أو أطروحاتها قد شاخ. كل هذا من قبيل طبيعة البشر. وبيد حماس أن تتفهم كل ذلك وأن تبذل من نفسها لمقابلة إخوتها في منتصف الطريق.
وبآخر الكلام، لست أنا في موقع الناصح المقتدر وإنما المنبه الحريص الودود.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق