حتى محمود عباس لم يتفادى تكرار مقولات أن التغيير الناتج في أميركا بعد تغيير الرؤساء لا يتجاوز 10% وأن البقاء هو للمؤسسات الدائمة، والمصالح الثابتة للولايات المتحدة، وأضاف أنه مع ذلك سيتعامل مع الرئاسة الجديدة بمرونة.
أما أن أميركا هي دولة مؤسسات فهذا صحيح، وأما أن لها مصالح دائمة فهذا ليس موضع جدل، ولكن المطروح للنقاش هو كيف يمكن النظر إلى مجئ أوباما، وبالتالي الاستفادة منه. ماذا لو أن أميركا تمر بحالة تغير غير مسبوقة، وهي تود أو بحاجة أو مضطرة للتغيير؟ ماذا لو أن المؤسسة الحاكمة الأميركية باتت في وضع تبحث فيه عن جملة حلول لمشاكل لم تواجهها من قبل؟ ماذا لو وجدت الحكومة الأميركية نفسها كم لم تجد نفسها من قبل: حاكمة للدنيا، والمسؤولة عن شؤون المجتمع الدولي وتحاول أن تجير ذلك الموقع لصالحها؟
الأسئلة كثيرة وهي تفيد لمخاطبة الذين يلجأون للبحث عن أمور خارقة، وتغييرات جارفة، وتصورات تقع ضمن آفاق الميتافيزيقا، بدل مجريات الحياة الواقعية على كوكبنا.
وزبدة القول فإن الولايات المتحدة دائماً ما تتجه للانتخابات الرئاسية لإحداث التغيير الذي تتوجبه حقبة أربع سنوات، قد تمتد لثماني، على ضوء مستجدات المجتمع والمهام التي تفرض نفسها، ومستحقات المستقبل. وصُمم النظام الانتخابي الرئاسي المترافق مع نظام الكونغرس (كل سنتين) ليعطي أكبر قدر من المرونة فيعكس المتغيرات من جانب، ويعطي أية إدارة قدراً من الثبات لتحقق خطوات عملية محددة. ويمشي النظام، دون هزات، بل يستجيب لها، ودون تغييرات جارفة دون أن يبعد عنها إن تطلبت الأمور ذلك.
بانتهاء عهد بوش كانت أميركا كمؤسسة حاكمة وكدولة تحتل موقع القطب القائد الوحيد في العالم قد وصلت إلى مفترق طرق. أدت إدارة بوش بأصولها المسيحية ونهجها الليبرالي المحافظ دورها وأبرزت إمكانياتها في مخاطبة مشاكل جمّة في عالم معقد: بدأتها بالحادي عشر من سبتمبر ومرت عبر الحرب على الإرهاب بما فيها حروبها الشرق الأوسطية، وانتهت بأسوأ أزمة مالية عاصفة في تاريخها.
ولأجل مواجهة هذه الأمور انتهت الخيارات الأميركية إلى إثنين: إما مواصلة نهج الثماني سنوات الماضية مع بعض تغيير ويكون ذلك عبر القبول بجون ماكين، أو تجربة وجه جديد قطع على نفسه 300 وعد انتخابي، وهو بقدر ما يبث الشعور بالثقة لأوساط المؤسسة الحاكمة الأميركية، يعطي انطباعا بالاختلاف مع من سبق و عمّا سبق. كان انتخابه بحد ذاته وبغض النظر عن أية سياسات متبعة إعلان نوايا بالرغبة في القطيعة مع تقليد وبدء عهد جديد. وحتى لولم يتعهد أوباما بأي وعد، لكان انتخابه بحد ذاته تغييراً. أي أن يتسنم أسود سدة البيت الأبيض.
ويبقى حجم التغيير وشكله مرهونا بالتفاعل الذي سيجري بين مختلف القوى في الأربع سنوات، ولربما الثماني القادمة منها.
وحتى يُفيد انتخاب أوباما القضايا العربية، فأول باب يمكن للعرب أن يلجوا منه هو أخذ قدوم الرجل بدون كثير أوهام من ناحية وبالكثير من العملية والبعد عن السذاجة في التعامل مع النظام الأميركي. فهذا النظام لم يعد أبداً بالإتيان بأنبياء ولا مخلصين ولا زعماء خارقين: جُلّ ما يقوله هو أنه يأتي بمدير لإدارة "شركة" أميركا العالمية لفترة أربع سنوات. لا أقل ولكن ليس أكثر.
لذلك لا يجب التفكير في اختبارات تطرح على أوباما لمعرفة ما إذا كان سيكون منصفاً إزاء العرب في القضية الفلسطينية، بل يجب التفكير في خطوات عملية يمكن أن يستفاد منها في الزخم الذي يقول أوباما أنه يود أن يبثه في سياسة أميركا وتحركها الشرق أوسطي. فأوباما، في بعض ثنايا مجيئه، إنما يمثل محاولة أميركية، وأؤكد أميركية الروح والمصالح والجوهر، للتعامل مع العالم الإسلامي الذي بات حاضراً عالمياً وأميركياً كما لم يحضر من قبل، ومنذ أيام سبتمبر 2001.
ولذلك فالمسألة ليست هي في التفكير في ما يمكن ترتيبه من مجسات اختبار، بل فيما يمكن الإتيان به من خطط عملية، تحقق اختراقاً ولو بسيطاً لمنظومة السياسات الإسرائيلية، واللوبي الصهيوني، والحضور السياسي والإعلامي الهائل بأميركا. المؤكد أن هناك استعداد أميركي، أو اضطرار للتعامل مع قضية الشرق الأوسط، والمطلوب تفكير عملي يقابل هذا الاستعداد في منتصف الطريق.
وكم كان من السذاجة، واستباق الأمور أيام الحرب الأخيرة، توقع مواقف أو تصرفات مختلفة من أوباما وهو واقف في ردهات البيت الأبيض بانتظار خروج ساكنه السابق. وحين صمت الرجل عمّا يجري بغزة، وأكد على أن هناك رئيس أميركي واحد يعلن السياسات خرجت الاستنتاجات بأن الرجل مثل سابقيه، وأن تغيير لون الجلدة ليس بمؤشر لتغيير في السياسات.
إذا لا توقعات خارقة، ولكن إمكانيات لحلول، ولاحماس مفرط للعرب أو لمآسي الفلسطينيين، ولكن استعداد للانخراط في الجهد والاستجابة للتغيرات في موازين القوى الناتج على الأرض. لم يعد بمقدور أميركا أن تتجاهل الوضع في الشرق الأوسط، وهي تقر بذلك، وتضع آليات لتفعيل قرارها، وتعين أشخاصاً محددين للاستماع للأطراف، وتحقيق مستتبعات ذلك القرار. وهي تؤكد بأنها في ذلك وحتى إشعار آخر، منحازة لسلامة إسرائيل، وأمنها، وتؤكد على العلاقات الخاصة والاستراتيجية مع الدولة العبرية وتضيف لذلك أنها استمرار وضعها لحماس على قائمتها للمنظمات الإرهابية، ولديها رؤيتها الخاصة لكيفية الحل.
هناك الكثير مما يمكن تحقيقه، ولكن ذلك يتطلب ثقة في النفس، وفي القدرة على التغيير وتمدن في المعالجة، وإيجاد السياسات الصالحة، والأفراد القادرين على توصيلها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق