اجتمع مؤرخو الخليج وآثاريوه في لقائهم السنوي بأبي ظبي. واغتنمها بعض الإخوان العمانيين مناسبة لتهديدي بالويل والثبور وعظائم الأمور إن أنا تحدثت بما يدور بين الستور أثناء الجلسات وعلى هامشها، فللمجالس أحكام، وللقاءات أهل الود آداب.
فقلت ياأهل عمان، ما لنا سوى السمع والطاعة، رغباتكم أوامر. فأسر لي أحدهم: يا ابن العبيدلي، ما علينا مما تقول، فإنكم أصحاب الصحف، تنشرون بما تحصلون عليها خبزاً ساخناً من التنور.
فقلت: وما العمل؟
قال: بيننا وبينك ما تذيع. فإن نشرت فسنرسل إليك شيئاً من السحر العماني، وأنت وذاك. فأصابتني رجفة وقلت ليس لي إلا الصبر والكتمان وحمدا لله العلي المستعان.
ثم أني نظرت في أمري، وفكرت فيما استقبل من أمري وما استدبر. وقلت يا رجل ليس لك إلا أن تترك الأسرار وتنشر الأخبار. فما عرفت الفرق. ثم إنني هممت وتراجعت، وكتبت ومزقت، وحسمت وترددت. فاستخرت بالله العظيم وقلت لا مهرب من التعليق على أصحاب التاريخ، ونصيرك الله هوالحامي وإليه الموئل والمصير.
وقد كان اللقاء العاشر محطة تتجدد للماضي الحاضر. وحوّم السؤال الأساس على أجندة المؤتمر: كم مما جرى في الخليج خليجي، وكم منه متأثر بالخارج. وعلى نحو أكثر تحديداً إن كان الخليجيون وعلى نحو محدد من الناحية الجغرافية إلى أي مدى كان للتواجد البشري في الساحل الشرقي من الجزيرة العربية فيما يتوقع بأنه يعود أساساً لمنطقتي دلمون التاريخية (وتشمل مناطق من الكويت والبحرين والسعودية وقطر والإمارات) وماجان (وتشمل الإمارات وعمان) من حضور ثقافي مميز.
بالطبع لا يخفى التشابه بين ما حدث قبل آلاف السنين تقرب من الخمسة وحاضر الأيام حين التقت تلك الدول الست على قرار بتشكيل ما يجمعها. فكأن في الحاضر شيئاً يسري من الماضي. ولربما ليس بذلك اكتشاف كبير، فإنما تجد الدول المقتربة جغرافياً بنفسها شيئاً من الألفة لكي تلتقي وتتكاتف وتتعاون ثم تتحد. وإن كانت تلك الدول بحكم الجغرافيا أيضاً هي التي تجري بينها الاختلافات والنزاعات والحروب. ثم أن هناك آلافاً من السنين تفصل بين الفترات مما يجعل من محاولة الخروج باستنتاج أمراً بعيداً عن الروح العلمية.
وما يهم هنا هو اكتشاف الخيط الرفيع المفيد من الماضي للحاضر، دون الوقوع في فهم مغلوط بأن الحاضر يكرر الماضي. ولكن ما كان يجري بحثه في أبوظبي ولأيام عدة إن كان في مؤتمر مؤرخي الخليج أو في المؤتمر الموازي هو طبيعة الهوية التي كانت قائمة في الخليج حينذاك، ومدى أصالتها وقوتها، وقدرتها على الاستقلال الثقافي وسط حوض دخل التاريخ من أبكر أبوابه، إن كان إلى الشمال والشمال الغربي حيث حضارات بلاد الرافدين أوإلى الشمال الشرقي حيث الحضارة الفارسية..
لم تشهد اكتشافات الخليج الأثرية حتى الآن العثور على ما يشبه أهرامات الجيزة حجماً وأثراً ولكن عثر على ألوف القبور المنتشرة على طول الساحل الشرقي للجزيرة لها صفات دفنها الخاصة، ومواقع إقامتها المتميزة وأسباب إنشائها. وكان أهم ما يميزها هو اختلافها عن قبور محيطها. وحتى أقرب المناطق التي يعتقد أنها تركت أثراً على الخليج وهي بلاد الرافدين فقد احتفظت بطرائقها الخاصة بالدفن. وبين أهم الفروق أن مقابر الخليجيين كانت على الدوام بعيدة عن مناطق سكناهم، ومعزولة عنها.
ومثل تلك الظاهرة برزت أيضاً في أنماط السكن وفي الأختام وفي جرار الفخار المكتشف وفي النقوش المستخدمة. الكثير من تلك المسائل أظهرت تأثراً مع المحيط وتفاعلاً معه، وإصراراً على التميز وتأسيس شيء محلي خاص.
ومرة أخرى لم يكشف المنقبون عن مدن واسعة مدفونة، ولم يأتوا بكميات كبيرة من الذهب والفضة، ولم يزيحوا الرمال عن تماثيل وإنجازات فنية كبيرة. ولكن ذلك لم يخف إصرار سكان مناطق الخليج عبر تاريخ ضارب في القدم على يكون حضورهم مستقلاً وأن يؤكدوا ذلك الاستقلال عبر منجزاتهم التي وصلت إلينا.
وعلى سبيل المثال وحين يختم علي المديلوي الباحث بوزارة التراث العماني في دراسته عن الدين في الألف الثالث ق.م. يقول
إن المجتمع العماني خلال فترة الألف الثالث ق.م وما قبلها كان شديد التدين كما تظهره تركة معمارية دينية تنتشر على مساحات كبيرة بشمال عمان وجنوبها.
واتضح أيضا أن التراكم المعرفي الديني بالمجتمع كان قد تبلور كثيراً فأفصح عن تقاليد وطقوس بمدلولات دينية عميقة ارتبطت بعادات دفن ذات مستوى ثقافي.
وبرزت مؤثرات حضارية بالاعتناء بالميت وتجهيزه وظهرت طقوس دينية المرتبطة بعادات الدفن كوضع الأثاث الجنائزي للميت.
وانتشرت منشآت كبيرة يرجح إقامتها لأغراض دينية، كمبنى عرجا المرتفع المشابه لزقورات ومعابد بلاد الرافدين.
وهكذا نرى تأثراً مع تميز، وتفاعلاً مع إصرار على الاختلاف.
أو ليس في هذا شيء من التاريخ المتصل إلى الحاضر. أو لم تستمر مناطق الخليج على بساطة العيش بها لقرون عديدة ذات حضور في تاريخ حوض الخليج العربي محاطة بحضارات ومتصلة بدول كبيرة ولكنها حافظت على شيء من الاستقلال وبنت ثقافتها الخاصة؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق