الثلاثاء، 24 فبراير 2009

النسخة الخليجية من الأزمة المالية العالمية

لا تزال الإشارات متضاربة حول النسخة الخليجية من الأزمة المالية العالمية. فالمصارف في البحرين وبينها المصرف التجاري الخليجي وبنك التمويل الخليجي مثلاً تحقق أرباحاً وتجد في نفسها القدرة على توزيع أرباح وتوزيع أسهم على المساهمين. وتداولت شبكات الإنترنت خبراً بأن مصرف الراجحي بات أكبر من مجموعة سيتي وبنك اسكوتلندا الملكي وباركليز حيث أن القيمة السوقية له والبالغة 23 بليون دولار تفوق قيمة مجموعة سيتي (19) والملكي الأسكوتلندي (12) وباركليز (12) ويقل قليلاً عن مورجان ستانلي (25).

وعلى رغم التخوف الذي انتشر في الأسواق البحرينية من حدوث بطالة واسعة، إلا أن ذلك لم يحدث بل إن مصرف البحرين المركزي أذاع أرقاماً تشير إلى تزايد العمالة في قطاع المال والخدمات في أوساط البحرينيين والأجانب على السواء لهذا العام. والقليل من التسريحات التي تمت ببعض المؤسسات كما هو الحال مع إنفستكورب لربما عادت لمؤسسات لديها من الاستثمارات الخارجية ما يفوق كثيراً استثماراتها الداخلية. ولربما وجدت بعض تلك المؤسسات فرصة في الاضطراب الحالي لإعادة النظر في عمالتها القائمة ومحاولة إزالة ما تراكم على جسد المؤسسات من شحوم لسنوات مضت.

بالمقابل كتبت صحيفة بريطانية أو اثنتين عمّا يجتاح بعض دول الخليج وتحديداً قطر والإمارات لبعض مقتنيي السيارات بالأقساط. فقد تخوفوا من أن تقوم المصارف بعمل ما لمواجهة تناقص قدراتهم على السداد، إذ أشارت بعض معلومات إلى أن بعض الدول الخليجية لاتزال تطبق عقوبة السجن إزاء العجز عن السداد. وأدى ذلك إلى حدوث عمليات واسعة من مغادرة الأجانب لمدن خليجية وترك سياراتهم عشوائياً في المواقف. مصادر خليجية نفت تفشي مثل تلك الظاهرة وأكدت العثور على بضع سيارات متروكة لا تصلح أعدادها للتعميم.

إلا أنه بات من المؤكد أن هناك جانباً واحداً سيتأثر خليجياً وهو حجم الإنفاق الحكومي على المشاريع، وهذا مرتبط أساساً بتراجع سعر النفط من ناحية وتوقع انخفاض الطلب العالمي على النفط من ناحية أخرى. وإن كان الطلب العالمي لم يسجل على رغم كل التراجع في الاقتصاد العالمي إلا أن هناك انخفاضاً محسوساً فيما يخص أسعار النفط بعد ذلك الارتفاع الذي لامس أسقفاً غير مسبوقة.
وتراجع الإنفاق الحكومي يعني الكثير بالنسبة للخليجيين لكن ليس من باب احتمالات تراجع دخولهم الفردية بالأساس ولكن من باب توقع انخفاض ميزانيات الصرف على مشاريع البنية التحتية، وأيضاً وبشكل خاص، على برامج تطوير الإسكان مثلاً، وهو ما سيلامس الدخول وإن كان بشكل غير مباشر.

ولكن وكما سبق لي الإشارة في عمود سابق فإن النسخة الخليجية عن الأزمة العالمية لم تتبلور حتى الآن وليس بمستطاع أحد أن يأتي بتفاصيل عنها أو عن مؤدياتها. ولايزال الانتظار سيد الموقف والحذر الواجب على الأفراد.

على أن ما ينطبق على الأفراد قد لا ينطبق على الشركات، ولربما تكون دول الخليج قد حققت تقدماً، يصعب تقديره الآن، ولكنه إن صغر أو كبر، على بعض جوانب في الدول المتقدمة. ولكن ذلك استنتاج محفوف بكثير من المخاطر ويتوجب أخذه بالكثير والكثير من الحذر. ولكن المقصود فقط هنا بعض حالات المصارف ومثلنا هنا مصرف الراجحي في تفوقه الذي سبق ذكره.

يعزز من ذلك بضعة أمور: أولها أنه إذا كانت المشكلة في الدول الرأسمالية قد بدأت من شحة في أموال الاستثمار سببها تعاظم الديون وتضاعف أحجامها إزاء الأصول، فهذه الظاهرة ليست موجودة لا بالطبيعة ولا بالحجم الذي برزت به بالغرب. فمثل هذا التعقيد الاقتصادي والمالي يأتي في مراتب أعلى من التطور الاقتصادي كما هو الحال مع اقتصاديات الدول النامية وليس في أولها كما هو حال دول الخليج. الأمر الآخر أن الخليج وبسبب اعتماد الاقتصاد على النفط والدخل القادم منه، فليس هناك فعلياً شحة في الأموال. وحتى تراجع أسعار النفط فقد أتى بعد ارتفاع بها كان قائماً وإلى أسابيع قلائل مرت، مما أدى إلى مراكمة فائض ليس بالقليل. وباختصار فلا تزال هناك كميات من الأموال موجودة بسوق الرساميل في الخليج إن كان بيد الحكومات أو بيد القطاع الخاص. ولربما كانت الخسائر التي حلت بالأصول الخليجية تعود في كثير منها إلى ما حل بالاستثمارات الخليجية بالدول الغربية، وليس بممتلكاتها المحلية.

إذا وبسبب حداثة الاقتصادات الخليجية، واعتماد نشاطها الاقتصادي على دخل لم يتأثر كثيراً بالأزمة الحالية فإنه من غير الضروري الخروج باستنتاجات، بأن ما حل باقتصادات الدول المتطورة سيحل بدول الخليج بنفس الحالة والتفاصيل والحجم.

حتى الآن تمكنت الاقتصادات الخليجية من امتصاص الآثار القادمة لها من الخارج، وبقدر ما سيتوجب عليها أن تراقب أوضاع سوقها الداخلية، إلا أن الكثير من التشاؤم والقلق غير المبرر قد لا يكون في صالح النشاط الاقتصادي.

ولربما تضمن القلق القائم مسألة مفيدة طالما احتاج لها الخليجيون وهو في تقدير كم من النشاط الاقتصادي هم بحاجة إليه لضمان استمرار الحيوية والتحديث باقتصاداتهم من ناحية وللحفاظ على هوية بلادهم من ناحية ثانية لكون أن الاستثمارات إن كان من قبل الحكومات أو القطاع الخاص قد تطلب دوماً قدوم عمالة أجنبية. وأمام الفورة الاقتصادية التي شهدتها مناطق الخليج المختلفة في العقود الماضية لم تتمكن أي منها من التقاط الأنفاس واستحداث التفكير الاستراتيجي المطلوب. ولربما كانت الأزمة الحالية سانحة تمكن من ذلك، وإن كان احتمال ذلك قليلاً جداً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق