الاثنين، 16 أغسطس 2010

سيولة المصارف الخليجية: قلة خبرة لا شحة بالأموال

الوضع المالي بالمصارف الخليجية به من التناقضات الشيء الكثير. فمن ناحية هناك الحديث الشائع الذي شارف على أن يكون مملاً عن أزمة مالية عالمية وعن آثارها على المنطقة، ومن ناحية أخرى هناك التأكيد المستمر على متانة الأوضاع المالية وقدرتها على الصمود وتجاوز الأزمة، وهذا التأكيد يأتي من عواصم ثلاث: العاصمة الفعلية أي دبي التي أخذت هذا اللقب عبر ما قامت به من خطوات منذ منتصف السبعينيات وحتى اليوم. وهناك العاصمة المقبول بها: وهي البحرين بحكم التاريخ وبحكم المراكمة المستمرة ولوجود أكثر الأطر القانونية المأخوذ بها من الأطراف المعنية. ثم هناك العاصمة الرسمية وهي الرياض بحكم أنها ستكون مقر المصرف المركزي الخليجي.

ثم هناك دعوات للحذر يطلقها صيارفة هناك وهناك، يقابلها استنكاف من المصارف عن الاستفادة من التسهيلات المالية التي تقدمها الحكومات. وأشهر القصص هنا الحكاية الإماراتية التي تروي بأنه ما أن بدأت بوادر الأزمة المالية في التوسع عالمياً حتى أمرت سلطات دبي المالية بتوفير مبلغ قيل أنه وصل إلى 50 مليون دولار ووضعته بمتناول أي مصرف إماراتي ليستفيد منه إن أحس بوطأة الوضع. فلم يتقدم أحد، لعدم الحاجة. وبقي المبلغ على حاله لم يمس.

على أن أسوأ ما يحدث هو اتجاه المصارف الخليجية للابتعاد أو ما يبدو على أنه ابتعاد عن منح التسهيلات المالية، وبث الحيوية في السوق، والاستنكاف عن الإقراض وتمويل المشاريع. وحقيقة الأمر أن المصارف لم تتوقف عن التسليف، وإن فعلت فهاذا يعني أنها لم تعد تمارس ما يدر عليها دخلها الأساس. لكنها لم تعد مهتمة بصغار الزبائن، ولم تعد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على قائمة اهتماماتها. لا بل بلغ هذا التصرف حد تضييق المصارف على التسهيلات التي كان يحصل عليها المواطنون بالبحرين بمعاملات معتادة كالحصول على قروض شراء السيارات وما شابه.

هذا أزعج تجار التجزئة بتلك الدول، وحينما اشتكوا لدى بعض الصيارفة أو منهم، رد الأخيرون: ولم يشتري الناس الآن دون ضوابط؟ ومن عليه قروض بجانب، عليه أن يراعي ميزانيته الذاتية ويقبل بصرفيات أقل بجانب آخر. ولم يرض الرد تجار التجزئة. وقبل أن يُبدوا مزيداً من الضيق، رد عليهم الصيارفة: بالمناسبة نحن مستعدين لإقراضكم أنتم أية مبالغ تريدونها للتوسع، ولتمويل أية مشاريع مستقبلية.

حينها بدا واضحاً أن ليس هناك أزمة تمويل حقيقية في الخليج من حيث عدم توافر الأموال، ولكن المشكلة هي في أن المصارف مستعدة للجري وراء كبار المدينين المستعدين للاستدانة ومن لديهم أرصدة تكفي لتشكل ضمانات للقروض. وإذ ركن الصيارفة إلى ذلك الخيار عادوا وطلبوا ضمانات بـ 200 و300% لدعم أية طلبات للتمويل.

ويبعث هذا التصرف على حنق كثيرين من رجال الأعمال البعيدين عن مؤسسات الإقراض والخدمات المالية. فمثل هذا التصرف يضغط على المستهلكين وعلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وهؤلاء هم عصب السوق ودمه ولحمه، بهم يبدأ التعافي ويستمر ومنهم يأتي القلق وقبض ذات اليد مما يقلص الحركة الشرائية ويقذف الأسواق نحو الأزمة.

وباختصار وكما أشرت مرارا في مواقع سابقة، فالمصارف الخليجية واقعة في خوف من الأزمة وليس لوجود أزمة معينة، وهي ليست بشحة من الأموال وإنما بكثرة قلق وقلة خبرة وعدم رغبة بالمخاطرة والقيام بالدراسات الضرورية لحساب المخاطر الفعلية الملموسة للمشاريع المختلفة.

وهذا ما يوصلنا لبيت القصيد وهو أن المؤسسات المالية الخليجية لا تزال في أول عمرها المهني رغم تضخم أحجامها وكثرة أموالها وكبر أسماء البيوت التجارية التي تبرز على مجالس إداراتها. فهي بغالبيتها وليدة العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية، ولم تكتسب من الخبرة ولم تراكم من التجربة ما يجعلها قادرة على التعامل مع أجواء أزمة لم تحدث بين ظهرانيها، ولم تكن سبباً بها إن لم نقل، وإن أخذ ما حل بصناديق دولها السيادية بالاعتبار، أنها كانت ضحية لها. والمقصود هنا الخسائر التي حلت بأصول تلك الصناديق بالأسواق الغربية.

والمصارف الخليجية لا ترى في نفسها جزءاً حقيقياً من الحل، والمحافظة على التعافي.  ولربما رنت إلى دور تقليدي تلعبه حكوماتها أكثر من أي شيء آخر. وهذا الدور يختلف كثيراً عن دور الحكومات الغربية السائرة على منهج اقتصادي طوره جون كينز (1883-1946) يحافظ على حيوية واستمرار نظام السوق الرأسمالي والمرتبط بنظام سياسي ديمقراطي. هناك تتدخل الحكومات بقدر وتنسحب في حين، وترتبط بكل ذلك بميكانيكية سياسية حديثة.

لدينا بالخليج هناك من يرى للحكومة دوراً مركزياً مستمراً ومنقذاً دائماً من المصاعب والأزمات، وهم يرون بهذا الدور عملاً غير مكلف لهم و«من فلوس غير فلوسهم».

وبالعودة لأصل الموضوع فالمطلوب من المصارف إن رأت نفسها جزءاً من السير نحو المجتمع الحديث بالخليج، وعلى نحو أكثر واقعية، على بعض المصارف أن تنهج نهجاً مختلفاً ومربحاً في الوقت ذاته بالنسبة لها، وهو اختيار طريق لا يمر بالخيارات السهلة وغير المربحة بآن والسير بطريق حساب مخاطر القروض المختلفة ودراسة طلبات التمويل بدقة وبعين تجارية بعيدة المدى والتخلي عن سياسات المجتمع التقليدي وآلياته التمويلية المتناغمة بالمجتمعات البسيطة التي فارقها الخليج من عقود طويلة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق