الاثنين، 7 مارس 2011

«زين» وصفقة أفريقيا: استراتيجية للشركات وأخرى للدول

ما يقرب السنتين حضرت احتفالاً بتغيير هوية شركة إم تي سي فودافون الخليجية إلى «زين». لفت نظري حينها أمران: حديث مدير الشركة بخطابه الافتتاحي عن شبكة أفريقية للشركة تضم دولاً عدة، وتخدم بكفاءة وربحية، وتنافس بسوق دولية. والأمر الآخر حضور أحد مدراء الشركة من أصل أفريقي. تحدث المدير بتلك المناسبة واصفاً انغماسه بشؤون الشركة ومساهمته الفعالة في أمر تغيير الهوية، وبينها الاسم. كان الأمران بمثابة مؤشران على الآفاق الجديدة لرجال الأعمال الخليجيين وتملكهم لقدرات للعمل بالأسواق الدولية على قدم المساواة مع بقية الشركات الأجنبية.

قبل شهور سمعت أن «زين» باعت الشركة الأفريقية لأخرى هندية، ولأسباب ربحية بحتة. حاولت فهم تفاصيل الأمر أكثر ولكن لم أحصل على المزيد. يوم الجمعة الماضي وصلني خبر عن إنجازات زين السنوية وتضمنت التفاصيل المرفقة بعض ما يلقي الضوء على ما بات يعرف  بالصفقة الأفريقية والأسباب التي دعت الشركة للأخذ بها. وقد اعتبرت مؤسسة عالمية تلك الصفقة كصفقة العام بصناعة الاتصالات.

وبحسب نشرة إخبارية حققت مجموعة «زين» «أرباحاً صافية قياسية كانت الأعلى بتاريخ القطاع الخاص الكويتي»، حيث سجلت ربحيتها  لعام 2010، 3.675 مليار دولار أميركي بارتفاع بلغ 445% عن فترة مشابهة لعام 2009 وبلغت 675 مليون دولار.

وتتضمن العوائد أرباحاً استثنائية من بيع أصول إفريقية بقيمة 2.653 مليار دولار.

وكشف رئيس مجلس الإدارة أسعد البنوان أن بيع تلك الأصول لجني استثمارات توسعات المجموعة بأفريقيا ساعدت المجموعة بـ «سداد التزاماتها المالية وتوظيف جزء كبير من العوائد المالية بأسواقها الرئيسة بالشرق الأوسط، وأضافت قيمة كبيرة لحقوق المساهمين.»

وبحسب الرئيس التنفيذي بمجموعة زين، نبيل بن سلامة فإن «زين» بعد بيعها لاستثماراتها بالقارة السمراء  ركزت على أسواقها الرئيسة بالشرق الأوسط ولها عوائد مالية مرتفعة.

وأضاف أن الشركة مازالت تمتلك تواجداً جغرافياً «يجعلها ضمن أكبر مشغلي شبكات الاتصالات المتنقلة على مستوى المنطقة بأكثر من 37 مليون عميل.»

المهم بالأمر أنه لم يكن بالإمكان بروز أي عامل لإقناع للشركة، وهي شركة خاصة يحركها الربح، لثنيها عن الإيغال بإنجاز صفقتها الأفريقية، ولا حتى الإيحاء بأنه لو لم تجد الشركة الهندية أن «زين» تصلح لتكون، وبما وصلت إليه، بداية لمشروع رابح لما أقدمت عليه. أن تحقق شركة كويتية رقماً قياسياً لم تصل إليه أية مؤسسة خاصة من قبل كان أكثر من سبب كاف للمضي قدماً بالخطة.

صفحة وطويت بمجال الانتشار الاقتصادي العربي بأفريقيا لتحقيق تنمية على جانبي المحيط الهندي. هذا الانتشار يبني على الحضور العربي الإسلامي التاريخي بتلك البقاع.

ولكن لتأسيس النمو التجاري والاستثماري العربي مسوغات لا تقوم على التاريخ فقط ولا استناداً لدواعٍ أكاديمية، بل تتعلق بمسائل ملحة على واقعنا الحالي.

أولها: الجغرافيا. فأفريقيا تحيط بمشرق الوطن العربي وغربه، وهي ترتبط بالخليج بنحو خاص. وشكلت ولا تزال مصدراً لهجرة منتظمة تمر ببعض مناطق خليجية، للاستقرار بها أو كمعابر لدول خليجية أخرى أو لمحطات تتجاوز أراضٍ خليجية أو حتى عربية. ويتم  ضمن خطة لهجرة منظمة أو على الأقل مستمرة. وإذا كانت أوروبا تعي مخاطر الهجرة إليها وتستعد لها فأولى بالخليج البدء بالاهتمام بها.

المسألة الثانية: الجغرافيا مهمة أيضاً لأن الامتداد الجغرافي هو الامتداد الطبيعي للأعمال والاستثمارات. وأول انتشار بعد المحلية والمنطقة العربية، تبرز البلدان الأفريقية كالأقرب والأكثر وعداً لأية توسِعات لدى المؤسسات التجارية بمجلس التعاون.

المسألة الثانية: أن أفريقيا باتت، بعد أن كانت بالقرن التاسع عشر مركزاً للصراعات الأوروبية وللتنافس الاستعماري بين دول أوروبا، مركز نشاط ملحوظ للصين والهند ودول الغرب. فأفريقيا لا تزال قارة بكر، وفرص الاستثمار بها متنوعة وواعدة، وهناك انفتاح محلي على هذا النشاط.

ويتوجب على الخليجيين أن يفكروا بتلك الفرص وألا يأتوا متخلفين عن الآخرين. وليس أدعى من المواصلة من صفقة «زين» الأفريقية التي  تجاوزت ربحيتها وبحسب قول الشركة نفسها ربحيات القطاع الخاص بالكويت، البلد الأم لـ  «زين» قاطبة. هذه صفقة كانت تستدعي التفكر وتذكر بأهمية الاستمرار بدل الانسحاب مهما بدا ذلك مربحاً على المدى القصير.

وإذا كان تنافس القرن التاسع عشر يؤدي لمواجهات عسكرية، وينتهي بالسيطرة على الشعوب الأفريقية، فإن التنافس المعاصر يختلف. فهو يتم ضمن مسيرة إنسانية مشتركة وجديدة للنمو والتفاعل والتقدم للجميع. ولا يتوجب على الرأسمال الخليجي أن يتأخر عن تلك المسيرة.

المسألة الرابعة: إن الرأسمال الخليجي بحاجة لمنطقة يزج بها بنفسه وطواقمه وموظفيه المحليين ليتعلموا كيفية إدارة الشركات العالمية. ويمثل الانتشار المشابه لتجربة «زين»  فرصة حقيقية لتدريب تلك الموارد البشرية. فالتجربة العملية بالأعمال كما بأي مجال آخر تتضافر مع أي خبرات أو تدريب أكاديمي وتضيف إليه. ومثلما يأتي العالم لدول الخليج، بات متوجباً على تلك الدول أن تذهب للعالم. وبات مهماً أن يكون التواجد الخليجي ليس ضمن مشرايع خيرية فقط، أو مساعدات واستثمارات حكومية وإنما ضمن نشاط بشري أيضاً.

وبالعودة لتجربة «زين» فمنطقها ببيع الأصول مفهوم وواقعي ويتماشى مع استراتيجية أية شركة خاصة. ولكن لكل دولة من دول الخليج، ولتلك الدول مجتمعة استراتيجية لربما تستوجب المزيد من الصفقات الأفريقية لا التقليل منها.
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق