تحدث موقع بلومبيرج للأعمال عن كيف أدت قرارات الدورة 118 لمجلس التعاون الوزاري لدعم عمان والبحرين عن انتعاش بسوق الأسهم الخليجية وكانت قطر أول المستفيدين وأكبرهم حيث ارتفع مؤشر أسهم قطر لأعلى مستوى له بسنة. وكان بنك قطر الوطني وهو أكبر مقرض بالإمارة هو الرابح الأول حيث ارتفع مؤشره بنسبة 5.7%. بينما استفادت إثمار بانية أعلى برج بالعالم وهو برج دبي، فسجلت أعلى ارتفاع لها بشهر بنسبة 4.3%.
المجتمع الحديث يتميز بترابطه الشديد، وتأثر العوامل المختلفة به ببعضها البعض وتفاعلها معاً. وهذا القرار السياسي بامتياز بدعم عمان والبحرين اقتصادياً أطلق شحنة تأثيرات وصلت نتائجها إلى دولتين تقدمان الدعم ولا تتلقيانه، واستقرت انعكاساتها حتى على شركات ومصارف منفردة. وهو ما يجب أن يحدث، ويعكس حيوية خلايا أي بلد وتدفق الدماء فيما بينها البين.
وكنت قد عشت ردحاً من الزمن ببيت عائلة إنكليزية أيام كنت أتلقى التعليم ببريطانيا. وكانت تلك العائلة تقطن بقرية ريفية لا تضم سوى بضعة بيوت، وليس بها إلا شارعاً واحدا مبلطاً. وصدف أن كنت بالبيت أيام شهدت بريطانيا بعض مظاهرات عاصفة بلندن. ولفت انتباهي أن عين سيدة البيت، وكانت امرأة عادية من عامة الشعب، كانت تتعلق بنشرة الأسهم البريطانية، وكان تبدأ يومها باكراً بمتابعة شريط سوق الأوراق المالية الذي يعرض بأسفل شاشة التلفاز. وتجرأت لأسألها عن سبب المتابعة. فأجابتني أنها تتابع نوعين من الشركات: شركات تتعلق باستثمارات أموال التقاعد التي يرتبط مستقبلها الشخصي بها، كما تتابع شركة اشترت منها أسهماً تحفظها كاستثمار ذاتي لأيام الشيخوخة.
وتتجه دول الخليج بنفس الشاكلة والمسألة مسألة وقت، في ترابط حياة الأفراد ببعضهم البعض وبقضايا المجتمع ونسيج حياتهم الاقتصادي.
أحداث البحرين دفعت رجال الأعمال والصيارفة والمؤسسات الاقتصادية للتحدث عنها ومطالبة الحكومة باتخاذ موقفٍ منها إن كان لأنهاء الاحتجاجات غير القانونية مع التأكيد على حفظ الحقوق المدنية كاملة للمحتجين، أو باقتراح الحلول بعد إنهاء الاعتصامات. وكانت العلامة الفصل بالأمر، حسب وجهات نظر كثير من ممثلي الفعالية المالية والاقتصادية هي حينما مد المحتجون حضورهم الجغرافي خارج منطقة دوار مجلس التعاون، وتقدموا باتجاه مرفأ البحرين المالي وأوجدوا لهم مواقع في البدء ثم أخذوا بالتدخل في سير الطرقات وبما أثر على انتظام حضور العاملين بالشركات والمؤسسات الخاصة. وكان الدولة قد قبلت بحق المواطنين بالتظاهر بدوار مجلس التعاون وتركت أمد التظاهر دون تحديد.
وشارك رجال أعمال وممثلون عن نشاطات اقتصادية متنوعة بمداخلات بتغطية تلفزيون البحرين اليومية للأحداث. ثم أفرد التلفزيون البحريني حلقة خاصة بعد إنهاء الاحتجاجات استضاف فيها ثلاثة صيارفة أولهم الرئيس التنفيذي لبنك أويسيس كابيتال فريد الملا والرئيس التنفيذي لإدارة بنك البحرين الوطني عبدالرزاق القاسم وعبدالكريم بوجيري الرئيس التنفيذي لبنك البحرين والكويت لبحث الأزمة أسبابها ومخارجها.
ونال الإسكان حيزاً أساساً من اهتمام المنتدين وجرى التأكيد فيه على ثلاثة منطلقات. أولها: وجود الإمكانية الفعلية لحل المشكلة الإسكانية. ثانيها: وجود القدرة الإدارية والاستثمارات اللازمة بالمصارف المحلية الخاصة لمواجهة المشكلة وتوفير الأموال اللازمة. ثالثها: ضرورة أن تتخلى الحكومة عن دورها الأبوي بالبلد وأن تلتفت لدور المنظم بالمجتمع. أي أن تعنى أكثر بالتخطيط، ووضع المقاييس وضمان الجودة وترك الباقي للقطاع الخاص.
وهكذا تغادر دول الخليج قليلاً فقليلاً المجتمع التقليدي بشبكته الاقتصادية البسيطة، وترابط مكوناته المحدود والتأثير المتبادل الهش للأحداث به. وبات العامل الاقتصادي يشكل أحد أعمدة الأمن القومي الذي يقود التعامل معه إلى طلب الدعم الخليجي بمنظومة التعاون إن رغبت دولة عضو في اللجوء إلى هيئات المنظومة لطلب المساعدة. كما أن أي وقوف من جانب تلك المنظومة يدعم أحد الأعضاء فإن ذلك سيسري في تقويم الأمور وفي بث العافية الاقتصادية في شرايين المجتمع.
بدءاً من المجلس الوزاري بالرياض ستعكس أسواق الأوراق المالية الخليجية هذا الترابط، وستأخذ هيئات التصنيف العالمية استعداد الدول الخليجية لتقديم الدعم للأعضاء بالاعتبار حين إسباغ التصنيفات عليها. وسيظهر أثر هذا الالتزام واضحاً بكلف الديون السيادية الدولية لدول الخليج الأعضاء. وهذا تطور خليجي مهم.
قبل شهور وحينما اهتزت ثقة المصارف الدولية بدولة عضو باتحاد الإمارات العربية، ظلت الأزمة تراوح وسط تحليلات مبسطة بدوائر مالية دولية لمدى استعداد إمارة أخرى لنجدتها، وكأن المسألة بين دولتين بينهما البعد الجغرافي والانفصال السياسي والتصارع الاقتصادي. وغابت طبيعة العلاقات القائمة والترابط المتصل الذي تخفيه هشاشة اختلافات أو خلافات.
وعلى نفس الطريق يسير مجلس التعاون. فالدورة الثامنة عشرة بعد المائة بالرياض قد دفعت بالدول الست لإيجاد برنامج إنقاذ من ناحية، ولكنها ارتفعت بالترابط بين الأعضاء لمستوى يصعب التراجع عنه. وكما بدأ مجلس التعاون بالاقتصاد لجر القاطرة السياسية والعسكرية خلفه مع بداية ثمانينيات القرن، يعيد التاريخ تأكيد نفسه، فيقرر المجلس الوزاري بعام 2011 ما قام به حين التأسيس عام 1981 حين تقرر الدعم العسكري بعد أيام من اتخاذ قرار الدعم الاقتصادي.
وكل ما يرجوه المرء هو أن تؤدي هذه النقلة إلى إعادة كافة الأطراف قراءة قرارات اقتصادية سابقة لهم، وأؤكد كافة الأطراف، لكي يعاد النظر بخطوات اتخذت أو قرارات صدرت وأخص بالذكر مسألتين: مقر المصرف المركزي الخليجي والوحدة النقدية الخليجية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق