كتبت الإيكونوميست أن العالم كان يمنى النفس بعام هادئ بعد أزمة لم يشهد لها العالم مثيلاً منذ أزمة 29-1930، ولكن حلمه تبخر لتغيرات جامحة بالمنطقة العربية وبالذات بشقها الليبي وما أدت إليه من ارتفاع بأسعار النفط.
بدأ التطرق لآثار الثورات العربية الراهنة مع بدء الأحداث بمصر في 25 يناير وبدء المخاوف من أن تمتد الأحداث لقناة السويس مباشرة فتؤثر على تدفق ثلاثة ملايين برميل نفط يومياً عبرها، يصدّرها منتجون خليجيون بالأساس وتتجه بأكثرها لأميركا وبدرجة أقل لغرب أوروبا. وبالطبع لم تنتقل آثار ميدان التحرير شرقاً إلا بآخر الأيام ولفترة قصيرة جداً، حين بدأ عمال شركات مصرية بالإضراب عن العمل لتحسين أوضاعاً معيشية وللانخراط بطريقتهم الخاصة ضمن الحركة الديمقراطية المتعاظمة. وانتقل القلق لجانب آخر تماماً عند بروز احتمال أن تلجأ الحكومة المصرية بعد هدوء الأوضاع لزيادة تعرفة مرور النفط بالقناة كوسيلة لمواجهة ارتفاع تكاليف استيراد مواد الغذاء لشعبها للمحافظة على استقرار اجتماعي.
كلا الأمرين لم يحدثا ولكنهما وضعا ضغوطاً على أسعار النفط، وأبقى المضاربين بحالة استنفار لأيام عديدة علّ فرص مفيدة تبرز وسط غبار المعارك الديمقراطية المتفشية اتساعاً والمتصاعدة عمودياً.
وبانتقال بعض الأحداث شرقاً بدول خليجية تزايد التوجس لئلا تؤثر تلك الأوضاع على الإنتاج. وحدث بالبحرين أن أدى إضراب أريد له أن يتماثل مع حركات التحرر العربية الأخرى وأن يبدو جزءا منها، لهبوط حاد بإنتاج شركة النفط، وتأثرت بنحو خاص كميات النفط السعودي المتجه للبحرين.
على أن التأثير الأكبر جاء من توقف الإنتاج الليبي المغذي لجزء كبير منه لمستهلكين أوروبيين. وإضافة للالتزام السعودي الدائم بتزويد السوق بأية احتياجات للمحافظة على استقرار الأسعار سارعت قطر للإعلان عن استعداداها للمساعدة بتنشيط الإنتاج الليبي على أية أرض يستعيدها الثوار. ولكن بينت مناطق إنتاج ليبي محيطة برأس لانوف، وهي مقر لإحدى أكبر شركات تصنيع النفط، بليبيا أنها من أكثر المناطق تداولاً بين السلطة والمنتفضين. ويدفع هذا التداول خصوصية رأس لانوف، فإذا كانت دولة القذافي بحاجة لعدم خسارة أية قطعة من أراضي سيطرتها لتأكيد سيادتها، فإنها بحاجة بنحو خاص للنفط المكرر برأس لانوف لمواجهة أي شح تواجهه العاصمة طرابلس بنحو خاص وبقية المناطق الخاضعة للحكومة. أما المعارضة التي يمكن لها الاتكال على تزويد خليجي بالنفط، فإن أهمية رأس لانوف السياسية والعسكرية تفوق أية أهمية أخرى.
وبنتيجة كل هذه الأحداث مجتمعة ارتفع مؤشر ويست تكساس إنترميديت بـ 2.45 دولار وبما يزيد على 2% ليستقر عند 106.72 دولار للبرميل بسوق نيويورك، وإن كان اجتاز 106.83 دولار بإحدى المرات ليحقق أكبر ارتفاع له منذ سبتمبر 2008. وارتفع خام برنت بلندن بـ 2.10 دولار ليصل إلى 117.05 للبرميل. وتراوحت الارتفاعات بدرجات متفاوتة بالأسواق الآسيوية. وأدى ذلك الارتفاع لسريان قلق دول صناعية من أثر ذلك على تعافي الأسواق العالمية.
أعادت تلك المتغيرات آمالاً أمريكية لتقليل اعتمادها على النفط الخارجي وبنسبة الثلث بعام 2025 بحسب خطاب ألقاه الرئيس أوباما أمام طلبة جامعة جورجتاون بواشنطن العاصمة بنهاية الشهر. ركز أوباما خطته على توسيع إنتاج الطاقة محلياً، وتشجيع استخدام الغاز الطبيعي بالسيارات والشاحنات وتعزيز تطوير الوقود الطبيعي وزيادة كفاءة استخدام الوقود.
وتجددت جاذبية الاعتماد على النفط الروسي المستقر مقابل الركون التقليدي للنفط الخليجي الذي تتهدده اضطرابات. وتبلور هذا الاتجاه رغم التزام خليجي دقيق بزيادة الإنتاج للمحافظة على توازنات السوق. وقد لعب هذا الالتزام دوراً رئيساً للحد من تسرب آثار قلق كبار المستهلكين، وشهية المضاربين والتوقف الفعلي للنفط الليبي للسوق وعرض النفط المتوفر وأسعاره الحساسة. ورغم ذلك ارتفعت أسعار النفط خارج المعتاد والمتوقع والمرغوب به حالياً بالاقتصاد العالمي ولتضغط بدورها على اتجاه الأسواق العالمية نحو التعافي، بعد الأزمة العالمية الأخيرة.
بأية حال أفادت زيادة الأسعار المحدودة الخليجيين إن كان بدول شهدت أحداثاً كعمان والبحرين أو تلك الأكثر هدوءاً. فوفرت أموالاً إضافية لتنفيذ برامج الإصلاح من ناحية ولتمويل التوجه الجديد لمجلس التعاون بتوفير دعم المجلس للدول الأعضاء التي تبرز لديها احتياجات أمنية استراتيجية.
وبإمكان الدول الخليجية إن استفادت من المخاض الديمقراطي من جهة وحاولت قطع طريق على منضوين تحته دون أن يكونوا منه جوهرياً، أن تحل مشكلة الإسكان على نحو التحديد وأن توجد آلية معينة لتحسين الوضع الإسكاني دون الوقوع بفخ المنح المجانية والمكرمات المفتوحة النهايات التي لا تستعيد الأموال المستثمرة، ولا توجد تلقائية في الاستثمار.
المنطقة العربية لا تزال حبلى بالأحداث، ولن تكون أسعار النفط بمنأى عن متغيرات ناتجة. وبمثل ما يشكل الالتزام الخليجي بالمحافظة على استقرار النفط عاملاً مهماً ودليلا على الدخول الحديث للكتلة الخليجية قليلاً فقليلاً للمسرح الدولي فكذلك الحضور الخليجي بالساحة الليبية. فمن ناحية باتت القنوات الفضائية الخليجية وبمقدمتها الجزيرة تمثل أسلحة ماضية بيد الحركات الديمقراطية. وأثبت الاستثمار الخليجي الإعلامي بالسنوات الماضية فائدته. وباتت الأدوات الإعلامية الخليجية ريادية لبقية المنطقة إعلامياً ونوافذ ضرورية للحركة الديمقراطية المعاصرة. وأضاف الخليجيون وبنحو خاص قطر والإمارات انغماسهم بجهد عسكري وسياسي بالمسألة الليبية، وبشكل يجعل الخليجيين بموقع الحدث من ناحية وعنصراً فاعلاً، وإن كان ببدايته، برسم خطوط السياسة الإقليمية والدولية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق