يورد رئيس اتحاد الغرف التركية لتبادل السلع رفعت أوغلو في كلمة له بعض معلومات عن اقتصاديات الدول الإسلامية ويقارن اقتصاد تركيا بأوضاع عربية ويشير بالذات لنمط التطور الخليجي. والكلمة، التي وقعت بين يدي صدفة، على الأرجح هي خطاب لأوغلو أمام الاجتماع الثاني عشر لمجلس إدارة الغرف الإسلامية للتجارة والصناعة المنعقد بعمّان بين 19 ـ 20 أيار (مايو) 2011، بمشاركة وفد غرفة تجارة وصناعة عُمان برئاسة رئيس مجلس الإدارة خليل الخنجي.
يورد أوغلو أنه بينما تضم 57 دولة إسلامية 22.5% من سكان العالم، لا يتعدى ناتجها المحلي الإجمالي مجتمعة 7.5% من الناتج الدولي، وهو يقل عمّا تنتجه ألمانيا. ويبلغ الفرق بين أغنى دولة إسلامية وأفقرها 220 ضعفاً.
وبين 49 أفقر دولة بالعالم هناك 22 دولة مسلمة.
ووصف أوغلو تلك الأرقام بالفضيحة المشينة للمسلمين.
وهو يرى بأنه بينما تجعل الثروات الطبيعية الحكومات غنية فإن الاستثمار والتجارة يثريان الشعوب. ولأجل ذلك تتوجب إزالة كل معوقات التجارة بين البلدان الإسلامية. وبينما أعدت منظمة التعاون الإسلامي معاهدة مشتركة تعطي أفضلية للتجارة بين الدول الإسلامية لم توقع الاتفاقية إلا 9 من 57 دولة. ودعا أوغلو بقية الدول لسرعة التوقيع عليها، لتحرير التجارة بين الدول الإسلامية.
وتحدث عن مشروع بدأته تركيا لتأسيس منطقة صناعية بفلسطين في جنين لتوظيف عشرة آلاف فلسطيني. وبعد مرور 6 سنوات تجاوزت تركيا وفلسطين كل عوائق التجارة فيما بينهما، وبات رجال الأعمال الأتراك، بحسب أوغلو، ينظرون لفلسطين كـ «أرض للفرص» وينوون الاستثمار بها، ودعا رجال الأعمال العرب والمسلمين الآخرين للاستثمار هناك أيضا.
ويروي أوغلو حكاية رئيس أسبق لتركيا هو أوزال دعا لإزالة الضرائب الجمركية ونظام الكوتا. حينها انتشر ذعر في أوساط الصحافة التركية عمّا إذا كان أوزال عميلاً أميركيا أو ألمانيا. ولكن إنجازاته غيّرت تركيا: إذ بينما بلغت صادراتها أيامه ثلاثة ملايين دولار تضم خمس صادرات زراعية تحتل 90% من مجمل الصادرات، يبلغ حجم التجارة التركية اليوم 3 بلايين دولار، وتحتل المنتجات الصناعية بينها نسبة 92%.
يحتل اقتصاد تركيا اليوم المرتبة السابعة عشرة بالعالم حجماً والسادسة بأوروبا. وبحسب أوغلو فقد تم ذلك دون دعم من أية موارد مالية وإنما فقط عبر إعادة ترتيب النظام لصالح الأعمال والاستثمار. وبحسب إحصاءات تركية فواحد بين كل أربعة أجهزة منزلية بأوروبا صنع بتركيا، وواحد من كل ثلاثة أجهزة تلفاز تباع بأوروبا مصنوع بتركيا. وتلي تركيا الولايات المتحدة في كونها تنتج 11 نوعاً من ماركات السيارات. وقد تم ذلك كله دون مصادر نفط أو غاز طبيعي.
طبعاً كل هذه المعلومات مهمة، وينبغي لكل معني بالشأن العام في الدول الإسلامية، وبشكل خاص بدول مجلس التعاون التي ينتمي لها القراء، أن يتعمق بها وأن يستفيد منها. وخاصة حينما تجري المقارنة مع الاقتصاد الريعي المعتمد على النفط.
ولكن الاستفادة من التجربة التركية لا تنتهي عند هذا السرد. فبهذه الأيام والعرب يعيدون قراءة تاريخهم، ويجردون حسبة حاضرهم والمستقبل، يراد لهم في بعض الأحيان أن يكون المثل التركي في الاقتصاد، ولربما السياسة، هو المثل الأبرز والأفضل للاقتفاء. وبقدر ما يجب أن يطلع المرء على التجربة التركية، ويستفيد منها يجب أن يمد برأسه عالياً طامحاً للأجود ومغترفاً من تجارب أعرق.
وتبقى إحصائيات تخلف الدول الإسلامية لافتة للانتباه ومحاولة استكناه أسس جوهرية وراء ذلك الوضع هي ضرورة حرية بالمتابعة والفهم. ويتحدث أوغلو بدوره في الخطاب مركزاً على أن المشكلة الرئيسة تكمن في غياب مفهوم رجال الأعمال الروّاد، وإرادة المستثمرين من المجتمعات الإسلامية. وهو غياب، كان بحسب رأيه، وراء انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكيكه دون إطلاق طلقة. وبهذا الرأي الكثير من التبسيط بالطبع، ولكنه ليس كله خطأ. فتشجيع المجتمع لروح المبادرة والمخاطرة وتكريس مبدأ المسؤولية الفردية في تحسين حياة الأشخاص وبلورة دور قائد للقطاع الخاص وتحديد دور الحكومة كلها مكونات لشخصية رجل الأعمال والريادة والتي يحتاجها أي مجتمع يود الاستمرار ويعيش بعصر المنافسة ويحرص على البقاء وسط العالم الإنساني بكل صراعاته ومتغيراته وتقلباته.
والدولة التركية نفسها غيرّت من نفسها ليس فقط بما تقول، وإنما بما لا تقول. اليوم لا يكتشف العرب والخليجيون تركيا، بل إن اسطنبول والتي أدارت ظهرها لتاريخ ينوف على خمسة قرون من الحضور العثماني بالعالم وعلى وجه الخصوص بالمنطقة العربية، تعيد اكتشاف ذاتها واكتشاف العواصم العربية والخليجية بنحو خاص. وهي تبلور دوراً لها ضمن شبكة المنظومات العالمية. وهي تكتشف بنحو خاص، أن الغرب الذي رفضها لا نعدام بلوغها لمقاييس معينة في التطور السياسي، ولأسباب حضارية وثقافية ربما ليست عادلة، بات يرى في تواجدها الإقليمي السياسي بنحو خاص، أمراً مفيداً، يتكامل أحياناً مع سياساته.
وليس هناك من خطأ في أن يتعلم المرء من حيثما كان، من الصديق والعدو في آن، وتركيا دولة صديقة مسلمة وكبيرة السكان وهي لا تزال تعاني في كثير من جوانب حياتها من تخلف. والخليجيون الذي تشاطروا والأتراك تاريخاً مشتركاً في العقود الخمسة الماضية، من مصلحتهم أن يطلعوا على التجربة التركية، وأن يبحثوا عن فرص الاستثمار في تركياً، وأن يفتحوا أبوابهم للخبرات التركية، ويستفيدوا بنحو خاص من البوابة التركية المفتوحة بأوروبا.
صحفي وباحث باقتصاديات الخليج
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق