أشارت دراسة شركة ألبن كابيتال (الشرق الأوسط) للاستثمار حول الصناعات الغذائية الصادرة بنهاية الشهر المنصرم إلى أن نمو ومستقبل قطاع الأغذية بغاية الأهمية لدول مجلس التعاون الخليجي. فهي من أكثر البلدان ثراء باحتياطي النفط والغاز ودخل الفرد ولكنها تعتمد وبشكل كبير على أسواق الغذاء العالمية. وبسبب نقص المياه وقلة الأراضي الصالحة للزراعة تستورد دول المجلس ما يقرب من 90% من إحتياجاتها الغذائية.
ويشكل نمو إجمالي الناتج المحلي وارتفاع نصيب الفرد من الدخل، عوامل أساس تدفع الاستهلاك الغذائي. ويُتوقع أن يرتفع إجمالي الناتج المحلي للمنطقة من 1.1 تريليون دولار أمريكي عام 2010 إلى 1.8 تريليون دولار لعام 2015. ويُرجح أن يزداد دخل الفرد 26700 دولار إلى 38100 دولار لنفس الفترة. ويُتوقع أيضاً ازدياد سكان الخليج من 40.6 مليون نسمة إلى 45.6 مليون نسمة بحلول 2015. وإذ يعتبر معدل إستهلاك الفرد بالمنطقة منخفضاً مقارنة بالاقتصاديات المتقدمة إلا أنه سيرتفع بمعدل عال نسبياً.
وليست دول الخليج الوحيدة التي تطورت اقتصادياً وسط حاجة لاستيراد غذائها. فلقد سبق لبريطانيا بالقرنين الثامن عشر والتاسع عشر أن قادت العالم بالتقدم الاقتصادي معتمدة أيضاً بقَدر كبير من غذائها على الخارج. ولربما مرت اليابان بالقرن الماضي بتجربة مشابهة. والدولتان جزر بالأساس حد صغر مساحتهما من إمكانيات تطور الزراعة حين اعتمدت الزراعة بالأساس على المساحة الأفقية وتوافر المياه. ولكن طورت الدولتان قدراتهما الزراعية لتتوازى مع مستوى باقي القطاعات الاقتصادية. وهذا بالضبط ما تحتاجه دول الخليج لتنتقل بزراعتها، وثروتها الحيوانية من الاحتمالات والتوقعات والجهود الفردية إلى مستويات أعلى ترتبط بالبحث العلمي والتقنيات المتطورة وتقليل الاعتماد على العمالة الأجنبية وتستجيب لشروط السوق وتجذب الاستثمارات.
وحين زرت ظفار مرة أهداني الأخ سالم بن سعيد عسلاً بزجاجة صغيرة قال لي أنها من خلايا نحل يتعهدها بنفسه. سررت حينها كثيراً بالعسل حتى قبل أن أتذوقه لأسباب عدة أولها ما تراءى لي من عودة جيل جديد ومثقف للعمل اليدوي دون استنكاف. وثانياً لشرحه لي أنه يقوم بالعملية كلها دون احتياج لأية يد عاملة أجنبية. كان ذلك الجهد بمثابة تذكير بأن الخليج يمكن أن يكون منتجاً للغذاء وبحسب شروطه البيئية وأن من أبنائه من يمكنه المساهمة بذلك العمل بالاعتماد على النفس.
بتلك الأيام شهدت ظفار شكوى عارمة من مصنع للموز أسس للتخزين وأن الكميات التي تدفقت عليه كثيرة إلى درجة أن جهد التبريد وسعته قل عن المتوقع فعطب موز كثير بسيارات انتظرت بطابور طويل أمام المصنع انتظاراً لتفريغ شحناتها. والموز مادة هشة سريعة التلف. حزنت حينها، حين رأيت الفرصة تتحول لمشكة، وتوجب علي الانتظار لعقد من الزمان حتى توقفت يوماً بمعرض زراعي عقد بالبحرين أمام صناديق كرتونية تحتوي موزاً وتعرضه بشكل جميل وتحفظه طازجاً. واستعرض معي مندوب مصنع لتعليب الموز بصحار قدم مرافقاً المعرض مراحل الإنتاج الحديثة وكيف حلت مشاكل التخزين والتعليب.
زيارتي لظفار ترافقت أيضاً حينها من تزايد شكاوي أصحاب مزارع ومراع من تزايد أعداد الجمال بشكل كبير إلى درجة باتت تهدد مساحات خضراء خاصة. بل وكان هناك بعض حديث عن ضرورة تقليص أعداد الجمال إلى نسب قد تصل أحياناً إلى النصف. وقد تزايدت الأعداد لاستقرار الأوضاع بظفار وماصاحبه من ازدهار عام، وكذلك للتطور العام باستهلاك اللحوم باتجاه مصادر أخرى ليست بينها لحوم الإبل مما أتاح للجمال أن تتزايد بشكل غير مسبوق. وهكذا وبظل غياب الحلول، تصبح الفرص مشاكل.
بعدها بسنين وبينما كنت في فندق المرسى بدبي كان لبن النياق يقدم بالمطعم الرئيس كل صباح ساعة الفطور. وبعده بشهور أعلن عن تأسيس مصنع للشيكولاتة يستخدم حليب النياق. وشاهدت بعض إنتاجه. وبعدها سمعت عن مشروع سويدي صومالي لإنتاج وبيع حليب النياق انطلاقاً من أعداد الإبل الهائلة الموجودة بالصومال.
ومؤخراً كنت بزيارة للسعودية، والتقيت مع مرب للإبل أخبرني عن سوق لحوم الإبل الواسعة هناك. وروى لي حادثة اختلط فيها العلم بالتصورات الذاتية. فقد اشتكى الرجل لي من مرض الكوليسترول وقال لي أن طبيبه قال له أن ينتبه فيما يتناول من لحوم لما تحتويه من شحوم، إلا لحم صغار الإبل فيمكنه استهلاكها باطمئنان لخلوها من الشحم. ولم أكن بوضع أستطيع تأكيد صحة الرأي المنسوب للطبيب، ولا أزال كذلك. ولكني متأكد من أهمية البحث الطبي في الأمر وإن صح الأمر فهذا يشكل فرصة مذهلة للراغبين في استهلاك لحوم حمراء خالية من الدهون، وفرصة استثمارية جذّابة.
وهناك تجربة زيادة إنتاج التمور بدول مجلس التعاون التي أحلت الكتلة الاقتصادية الخليجية مجتمعة المركز الإنتاجي الأول على مستوى العالم.
هذه كلها حكايات تتعلق بمنتوجات غذائية تنطلق من بيئة الخليج. وكلها أمثلة على أن مواجهة الأمن الغذائي بالمنطقة ممكنة ليست بالمطلق ولكن عبر خطوات عملية محددة تنطلق من الواقع والتقدم العلمي.
وبقدر ما تهتم جامعات الخليج بالبحث العلمي وبقدر ما تهتم دراساتها بالكفاءة الاقتصادية وتعي جغرافيا الخليج ومناخه سترتبط بالسوق.
وتنبغي الإشارة بهذا الصدد لمركز جلالة السلطان قابوس بجامعة الخليج العربي للتقنيات الزراعية المتطورة وخصوصا تقنية الزراعة بدون تربة والذي سيحتفل العام القادم بذكرى تأسيسه العاشرة والذي تفتح أبحاثه، إن أحسنت توجيهها والاستفادة منها، آفاقاً أمام الأفراد والمستثمرين والحكومات لمواجهة تحديات الأمن الغذائي الخليجي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق