في حواره مع تجار بغرفة تجارة وصناعة البحرين في 12 أيلول (سبتمبر) 2011 حول سوق العمل تحدث جميل حميدان وزيـر العمل البحريني مؤكداً سمو طرحه فوق مصالح مؤسسية فردية ضيقة باتجاه مصالح وطنية ثابتة تحقق مصلحة أصحاب الأعمال والعمال وأطراف معنية وبما يحقق مصلحة وطنية وأمن اجتماعي يعزز التنمية الاقتصادية. ورغم بحرينية المكان والزمان والخلان إلا أن ما قاله الوزير يعبر عن واقع الخليج، ويتوجب على كل الخليجيين معرفته.
قال الوزير إنه لم ولا يرغب في أن تؤثر البحرنة سلبا على مصالح أصحاب العمل. وعرض لمكتسبات لوزارته أولها: تأسيسها لبنك متطور لشواغر تُعرض على العاطلين بجهوزية وانتظام. ثانيها: الوصول لمعدل بطالة لا يتعدى 4% وهو معدل آمن ومعقول دولياً. ثالثها: تحسين نوعية الوظائف ومستويات الأجور.
وبالمقابل لم يؤثر النظام على تسهيلات لرجال الأعمال لاستصدار رخص عمل لاستيراد عمالة أجنبية، بل تبينت وسطها أمور أولها: ارتفع المعدل الأسبوعي لتصاريح العمل من 2000 إلى 2200 تصريح. ثانيها: ارتفع حجم العمالة الأجنبية بنسبة 12% خلال الثلاث السنوات الماضية. ثالثها: إزاء كل بحريني تم توظيفه عن طريق نظام تعهدات يوظف العمالة الوطنية بواقعية وعملية صدر 11 تصريح عمل للأجانب.
ونبدأ من الآخر وهو مربط الفرس: فإزاء كل وظيفة خلقت لبحريني منح 11 تصريح عمل لعمالة أجنبية. وقبل الاسترسال في المسألة لا بد من التأكيد على أهمية الحالة البحرينية. لأسباب عدة:
أول : وجود عمالة وطنية مدربة وتقبل على العمل بكافة أنواعه بما فيها العمل اليدوي. ثانيها إن المسرح السياسي البحريني الخاص قد خيضت عليه ولأقصى مدى، صراعات مريرة للحد من العمالة الأجنبية. وتداخلت تلك الصراعات مع شؤون تمس صميم أولويات الجدل الوطني بالمملكة بما فيها مسألة التجنيس وبما لم يترك مجالاً لأخطاء في التعامل معها. ثالثاً: يتم تعيين وزراء العمل وبالذات في الفترات الأخيرة من أوساط سياسية تعمل حثيثاً من أجل حل مشكلة البطالة وتطبيق البحرنة. وأخيراً: نجاح هؤلاء الوزراء في تخفيض نسب البطالة لأدنى مستوياتها، ولمعدلات دولية مقبولة ومتعارف عليها. بل أن بعض أقوال متداولة تشيع بأن حتى تلك النسب بها تضخيم وتشتمل في بعضها على ربات أسر لا يدخلن مهنياً ضم تصنيف العاطلين عن العمل، وإنما أدرجن أنفسهن باغتنام حساسيات الحالة البحرينية وإصرار الدولة على جرد قوائم العاطلين عن العمل، لتشمل أي شخص يصنف نفسه تحت هذه المظلة. وأدت تجارب الوزراء المتعاقبين في حل مشكلة البطالة لخلق نموذج نجاح بحريني. وأتى الوزير السابق مجيد العلوي على رأس القائمة حيث باتت تجربته محل احتفاء عربي تمثل بانعقاد مؤتمر منظمة العمل العربية بالبحرين في 2010، واعتبار تجربة المملكة مثلاً يقتدى به لتخفيض نسب البطالة العربية.
ولكن الحديث ليس عن البطالة بل عن أن تخفيضها، والذي يعني دخول العمالة الوطنية أو إعادة دخولها لسوق العمل سيؤدي وبحسب آلية قاسية ومريرة إلى زيادة مضاعفة في دخول عمالة أجنبية لسوق العمالة البحرينية.
ولقد كتبت قبل شهور عموداً في «عمان الاقتصادية» أشرت فيه لاستنتاجات توصلت إليها لجنة بحثية أوروبية مفادها بأن هناك متلازمة بين الازدهار الاقتصادي الخليجي والطلب على العمالة الأجنبية بحيث أن كل خلق لوظيفة عمل وطنية يخلق ما يتراوح بين 7-12 وظيفة للعمالة الوافدة.
ومحاضرة الوزير حميدان تؤكد ذلك تماماً فنسبة البحرين الخاصة هي 9:1، وبالتالي فتوظيف الدول الخليجية لأبنائها، وهو مبدأ مشروع وعادل ومطلوب، يؤدي لازهار اقتصادي يرفع الطلب على الوظائف في السوق المحلية بما يجتذب عمالة أجنبية تتزايد بمتواليات خطيرة. وما قاله باحثون أجانب توصل إليه مسؤول بدولة خليجية بالممارسة المباشرة.
ولربما طرحت المسألة بشكل مغاير. فالازدهار الاقتصادي الخليجي، المرتبط أساساً بوفرة عائدات نفطية وأرباح صناديق سيادية ورغبة واسعة وعميقة في التنمية الاقتصادية وتحقيق الرفاه الاجتماعي، يخلق طلباً محدداً ومتزايداً بارتباطه بنمو الاقتصادات الخليجية. ويخلق هذا بدوره طلباً على اليد العاملة. ولا يتبقى إلا قليل من الخيارات أمام العمالة الوطنية: إما الانخراط بسوق العمل لسد نسبة صغيرة به وإما أن تستنكف ترفعاً أو عجزاً فتُسجل على قوائم الإعانات الاجتماعية. وإن أدى انخراطها في سوق العمل الوطني لأن تحقق دخولاً تزيد من قدراتها الشرائية ويرفع من الطلب العام في البلد برفده بمبالغ إضافية فإن ذلك سيؤدي بدوره لزيادة الطلب على اليد العاملة الأجنبية.
هذا ما تتوجب دراسته، ويغيب عن جهات متعددة، وسط اهتمامها المشروع بسياسات التوطين، ورغبة تخفيض البطالة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق