بعد كل تغير سياسي هائل تنقلب الأوضاع الاجتماعية ويضطر أصحاب النفوذ السياسي والاقتصادي من العهود السابقة إلى الهجرة إلى بلاد أخرى تفادياً لانتقام نظام حديث العهد ووسط مخاوف من عدم تبلور نظام قضائي عادل. ولكنهم ينتقلون أيضاً لبدء حياة جديدة لهم ولأولادهم. وبترحالهم يستفيدون من مزايا الاستقرار بالبلاد الجديدة ويضيفون إلى ازدهار قائم بها ويثرون حياتها الاجتماعية والثقافية. وكثير من هؤلاء ليسوا بالضرورة ممن مارس الظلم في العهد السابق ببلادهم الأصل، أو شارك بعمليات الفساد أو كان موغلاً في ممارسات قمعية ضد أبناء وطنه. بل إن عديداً منهم كانوا مواطنين عاديين لم يعرفوا في حياتهم سوى النظام الذي ترعرعوا به وعملوا ضمن مقاييسه وقوانينه. بيت القصيد أنهم ينتقلون لمواقع مختلفة طلباً للأمان، وبُعداً عن صراع سياسي، واقتفاء لأمل جديد وتجربة مختلفة.
نشأت هونغ وتايوان كقوى اقتصادية بعد قيام جمهورية الصين الشعبية والحكم الشيوعي بها. وفرت البقعتان حداً أدنى من الحريات والاستقرار والبيئة المرحبة والازدهار الجاذب فتدفق إليها أناس ورساميل فتضاعف النمو وبرزتا كعاصمتين ماليتين وصناعيتين دوليتين.
وساهم في تبلور بيروت الخمسينيات تدفق أموال النفط الأولى على دول الخليج، وانقلابات العسكر في سوريا والعراق ومصر. وظهرت قبرص على خريطة الشرق الأوسط الاقتصادية أيام الحرب اللبنانية وعواصف العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي بالدول العربية. كما استفادت من انهيار الاتحاد السوفياتي وبحث أغنياء الروس عن موطئ قدم يحميهم من متغيرات جارفة ببلادهم.
وقامت النهضة الاقتصادية لعمّان بعد سلسلة الانقلابات السورية في خمسينيات القرن الماضي وما لحق ببيروت من دمار وبالترافق مع الحروب العراقية.
وهناك أمثلة عديدة أخرى. والمهم تأكيد أن نماذج الازدهار الاقتصادي السابقة هي حالات تحدث في العالم، والمدن الذكية هي التي تأخذ ذلك بالاعتبار وتعد خططاً للاستفادة منها.
على أن المسألة في العالم العربي ليست اقتصادية بحتة، ولا تتعلق بالازدهار الاقتصادي واستقطاب رساميل مهاجرة وطاقات على وشك مغادرة الإقليم. فالمطلوب، والوقت ليس متأخراً، أن تختلف الانظمة العربية في بلاد الربيع عن سابقتها بتوفير إطار قضائي يتحلى بالنزاهة والاستقلالية والتجرد وسط جو وطني من التسامح والرغبة بلأم الجروح وتجاوز الماضي. المتوقع والمفيد لمجتمعات الديمقراطيات العربية الجديدة أن تهتم بالبناء بدل الهدم وبالتوحد بدل الانقسام والتشرذم. باختصار لم يرد المرء لدول الربيع العربي أن تشهد هروب واسع من أبنائها باتجاه الشمال الأوروبي وغرباً باتجاه المطارات الأميركية أو حتى باجتياز الصحاري جنوباً لأفريقياً آمنة. فذلك سيؤدي لنزيف غير مبرر على كافة الأصعدة، ومجتمعات الربيع الوليدة بحاجة لكل الطاقات وكافة الجهود وجميع الإمكانيات. وإن تكن حمأة الحدث الثوري لا تجعلها ترى الآن إلا العداوات السياسية الماضية وجروح سنوات القمع، ومحطات الصراع السياسي الأخيرة.
ولكن ليس كل ما يتمنى المرء يدركه.
تمكنت دول الخليج بغالبها من لعب دور ذكي ومشرف في مجريات التحول الديمقراطي الواسع في الدول العربية في الشهور الثمانية الماضية وبالذات عبر تفاعلها النشط والمؤيد للديمقراطية في ربيع العالم العربي. فمن تدخلها العسكري أحياناً إلى استخدام إعلامها الحي والذكي والمستقل نسبياً أحياناً أخرى، إلى الحضور والتواجد السياسي وسط حمأة المعارك على الدوام. وبقي عليها الآن أن تكمل هذا الدور عبر الحضور السياسي والاقتصادي النشط.
فعليها أن تبدأ في استقطاب الكفاءات والأموال العربية التي ستهجّ من عواصم الربيع العربي التي ستمر بمرحلة متوقعة من الاضطراب، ولا يبدو أن روح التسامح ستكون هي الغالبة بها. فلا تزال تصفية حسابات الماضي هي الرائجة كما يبدو حتى الآن. ويأمل المرء أن يتغير الوضع. وحتى ذلك الحين يجب أن تكون مدن الخليج العربي باقتصاداتها القوية، وبتراثها المشابه لبلدان الربيع العربي، وبروحها الاجتماعية المنفتحة وبأنظمة تعليمها الثرية مصدر جذب للمئات ولربما الآلاف من الطاقات العربية التي ستحاول مغادرة بلدانها الأصل باتجاه سواحل أوروبا وأميركا بل ومدن أفريقيا.
سيتوجب إيجاد خطط لتسهيل عبور هؤلاء إلى مناطق الخليج وتشجيعهم على الاقتناع بأن الاستثمار بدول الخليج هو استثمار لأنفسهم بالأساس. وحيث أنه قد تكلست لديهم قناعة بأن الأنظمة العربية لا يركن إليها، ولا حماية لديها لحقوق الناس الاقتصادية والاجتماعية فسيتوجب البحث عن خطاب يتوجه لذلك القلق ويستقر بالوجدان. ما ينبغي هو أن ترى جماعات المهاجرين أن دول الخليج ليست على هذه الشاكلة، وأن حقوق الملكية لديها مقدسة ومقام الإنسان الاجتماعي محفوظ بها.
لكل إنسان الحق في فرصة ثانية. وفيما عدا رؤوس الأنظمة الفاسدة وكبار أعوانهم والذي يجب أن يكون القضاء العادل هو الفيصل بوضعهم، فيجب أن يجد الفارون من أجواء محمومة لا يعرف مداها، بمدن الخليج واحات يلجأون إليها بدل عواصم الغرب أو دول أفريقيا. فيستفيدون ويفيدون. ومن يدري فقد تعود بعض دوائر بالأنظمة الجديدة إلى رشدها، وترغب بإصلاح ذات البين مع أقسام واسعة من سكانها اضطرتها ظروف لهجرة قسرية. حينها سيكون «قرب الدار خير من البعد»، بل وسيجد الطرفان أن الديار الخليجية تشكل جسوراً أفضل للحديث عبرها.
وللبدء بكل ذلك ينبغي الاستفادة من شبكة الفضائيات العربية وإيجاد البرامج المناسبة لبث رسالة جديدة تتوجه لهؤلاء المهاجرين. والقنوات العربية واسعة الانتشار ولها مصداقية كبيرة ومهنية عالية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق