خبران حول صناعة الطيران بالخليج برزا مؤخراً يستوقفان المرء.
الأول نيل الطيران العماني جائزة سكاي تراكس عن «أفضل مقعد بدرجة رجال الأعمال بالعالم» وذلك بتصويت شارك فيه أكثر من 18.8 مليون مسافر من أكثر من 100 جنسية، وذلك بحسب إعلان نشر لاحقاً.
والثاني اختتام معرض دبي للطيران لواحدٍ من أنجح دوراته بصفقات فلكية زادت عن 63.3 مليار دولار مقارنة بـ 14 مليار دولار للدورة الماضية وبنسبة نمو بلغ 356%.
ويشير الخبر الثاني لأمور عدة، أولها أن الصفقات تتم ليس فقط إثرأزمة مالية دولية ولكن بعد ضجة إعلامية عالمية عن انتقال الأزمة للخليج، وتفشي عدواها بعواصم خليجية محددة. وهاهي تلك العواصم ترد بخلق طلب غير مسبوق على صناعة الطيران في وقت توقع فيه محللون كثيرون انخفاض الطلب وانكماش الأسواق وتراجع النشاط الاقتصادي بل وسط مخاوف من نشوب أزمة ثانية. ويشكل هذا الطلب بحد ذاته أداة إنعاش كبيرة للاقتصاد العالمي.
و يشترك الخبران معاً بكونهما مؤشراً على تبلور نشاط جديد للخليجيين. كانت شركات الطيران المحلية السابقة متواضعة الطموح، تقليدية العمل، ولا تشكل جزءا من خطة أشمل. وبالمقابل تعمل اليوم صناعة الطيران الخليجية كجزء من رؤىً أكبر. فهي أولاً تشكل ركناً أساساً من سياسة تنويع تتبعها دول مجلس التعاون، وهي ثانياً تحاول أن تشكل صناعة حديثة تنافسية تتجاوز الاقتصار على دور ناقل وطني محلي بل تستشرف آفاقاً عالمية.
ويرتبط الطموح الأخير بعاملين: الأول محاولة الاستفادة من الطلب المحلي النشط والمتزايد على الطيران بفعل ملايين متزايدة من عمالة أجنبية يتطلبها اقتصاد خليجي متوسع ولا يجد كفايته في عمالة محلية. وتخلق تلك العمالة الأجنبية حركة سفر متجددة وطلباً مستمرا للنقل من بلدانها وإليها. وهكذا فبدل أن تتسرب ملايين الدولارات لخارج الدورة الاقتصادية الخليجية، تحاول شركات الطيران الوطنية الحصول على أكبر جزء من طلب متنام خلقته اقتصادات الخليج نفسها.
وإثر نجاحها في الحصول على جزء من ذلك الطلب رأت تلك الشركات أنها بموقع جغرافي توسَّط حركة النقل العالمية بين آسيا وأستراليا من جهة وأوروبا وأميركا من جهة أخرى. ورأت الشركات أن بإمكانها الحصول على نصيب من تلك الحركة. واستفادت الشركات من عاملين مساعدين: توافر الوقود محلياً كجزء من منتجات النفط. ويشكل الوقود جزءاً أساساً من كلفة الطيران. والثاني حداثة بنيتها التحتية، وتحديداً مطاراتها مما يجعلها في وضع قادر على خلق محطات بخدمات تتجاوز ما تقدمه مطارات أخرى قديمة بدول أخرى.
ولكن كل تلك الأمور على أهميتها لا تتحدث عن رابط بين الخبرين. فالعمانية للطيران قد فاز مقعدها، وهي في دور المشتري للتكنولوجيا والمستهلك لها. ولربما عُرضت على العمانية تصاميم مختلفة واختارت هذا النوع من المقاعد، أو وفي وضعية أكثر تقدماً، اشترطت تصاميم أكثر تطورا. لكن ماذا إن أرادت العمانية للطيران أو أي طيران خليجي آخر الخطو خطوة أكثر طموحاً ورغبت بتأسيس مصنع لمقاعد الطائرات أو أي جزء من الطائرة وليشكل هذا تخصصها تصميماً وصناعة. وكم سيكون مفيداً لو ربطت ذلك بإحدى الجامعات الخليجية لتطلب من كلية الهندسة الصناعية لديها أن تجعل من تصميم مقاعد الطيران إحدى مجالات بحثها، وتقوم شركة الطيران بتمويل تلك الأبحاث. كم من هواء منعش سيدخل تلك الجامعة مستبدلاً جواً تقليدياً ارتبط أساساً بعلوم نظرية تدرسها جامعات عربية منذ عقود دون ربط ضروري مع علوم نافعة وعملية ومرتبطة بالسوق والصناعة.
وحتى تكتمل الدائرة، فهناك إمكانية فعلية لتسويق منتجات تلك الأبحاث متى ما أثبتت دائرة التصنيع المعنية أنها تنتج بشكل حديث وبحسب مقاييس دولية وبخصائص تنافسية. ويمكن هنا الاعتماد على طلب خليجي متوسع على الطائرات ليتضمن شروطه اعتماد المقعد المصمم والمصنع في عمان أو أية دولة خليجية تنتج هذا المقعد ضمن أية طلبية قادمة للطائرات.
تفترض هذه الخطوة أن تستوفي القطعة المصنعة شروطاً فائقة الدقة وبتنافسية لا تقبل الشك وتجتاز امتحانات صارمة للجودة. بل إن دولاً كثيرة ستكون لدى الدول الخليجية قدرة على استعمال تأثيرها الاقتصادي الكبير لمبادلة القطعة كسلعة ضمن قائمة ما تستورده من الخليج والذي يكاد أن يغلب عليها حالياً النفط ومنتجاته.
التصنيع يغير الأوضاع في أي بلد ومن نواح كثيرة. فلن يمكن لأية دولة أن تصنع ما لا تعرفه. و هو ما يقود للبحث العلمي للإحاطة بالمنتوج وتحري مواصفاته واكتشاف جوهر مادته وطريقة عمله. والتصنيع هو طريق الدول الحديثة للثراء. وللقيام بالدراسات سيتطلب الأمر إنشاء دوائر محلية بمعايير دولية للتفوق العلمي. وهو ما سينعكس على مؤسسات التعليم في داخل البلد ويربطها بعجلة الإنتاج وحركة السوق ويفرض عليها مغادرة واقع التعليم النظري.
تختلف الدول الصناعية عن غيرها بأنها تنتج وتسوق سلعاً تعتمد على العلوم وإبداعات العقل الإنساني، بدل الاعتماد، مثلاً، على منتجات الطبيعة. وبينما تتجدد تلك الإبداعات وتتسع تميل منتجات الطبيعة إلى النضوب.
وباختصار فلقد آن للدول الخليجية أن تقتنص أية فرص سانحة تتغير بها وعبرها من دول مستهلكة للصناعة والعلم، إلى دول منتجة لهما. وتفتح صناعة الطيران باباً واسعاً بهذا الاتجاه يعزز منه آفاق تلك الصناعة ضمن الخطط الخليجية للنمو، وقدرات دول مجلس التعاون التفاوضية المتنامية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق