الاثنين، 28 نوفمبر 2011

مساواة المرأة الخليجية ودور النساء الاقتصادي

في سبتمبر الماضي حاولت مؤسسة كارنيجي للسلام العالمي بندوة عقدتها بواشنطن العاصمة الأميركية أن تسبر غور النمو الاقتصادي بأيام الربيع العربي في ارتباطه بمشاركة المرأة. شارك في الندوة شخصيات بينها وزير المالية السويدي أندرز بورغ وجونيلا كارلسن الوزيرة السويدية للتعاون الدولي للتنمية ونائبة رئيس المعهد الوطني الديمقراطي (منظمة أميركية عالمية لاتتوخى الربح) شاري بريان. وكان السبب وراء اختيار الموضوع هو الحضور غير المسبوق وغير المتوقع للنساء في صنع الربيع العربي وإيصاله في بعض مناطق لنهايات ناجحة، واستمرار مشاركتهن بتصميم في مواقع مازالت ساخنة.

حددت الندوة أربعة منطلقات تضيء رؤية ذلك الإسهام.

أولها وحسب أندرز بورغ عدم تصادم الأهداف، حيث يرى البعض، مخطئاً، أن على الشعوب أن تختار حالياً بين مواجهة الأزمة الاقتصادية العالمية المعاصرة وبين تحسين ظروف مساواة الجنسين. وباعتقاده أن مزيداً من مساواة الجنسين سيسهم في تقدم النمو الاقتصادي.

ثاني الأمور بروز أهمية الاستثمار في النساء وأنه يفضي إلى زيادة رأسمال أي بلد ويزيد من تعليم وصحة الأبناء: ذكوراً وإناثاً. ويضيف أن المساواة الأكبر والاتصال الأسهل بالأسواق سيزيدان من استقرار الأسواق وانخراط قوة العمل بها.

وتجادل جونيلا كارلسن أن مساواة الجنسين هي هدف مركزي للتنمية بحد ذاته. ولتحقيق المزيد من التنمية يتوجب أن يكون النمو الاقتصادي شاملا للجنسين، وأن هذا النمو ليس قضية سياسية بل هو مسألة تتعلق بالتحديث.

وتتمثل آخر النقاط في أن النمو الاقتصادي الشامل لن يمكّن النساء فقط وإنما سيولد ثقة بين حكومة أي بلد وسكانه. ويشكل ذلك تحديداً مخرجاً للدول التي تمر بتحولات سياسية.

وقالت نائبة رئيس المعهد الوطني الديمقراطي (منظمة أميركية عالمية لاتتوخى الربح) شاري بريان في مشاركتها بالندوة أن إسهام الإناث اقتصادياً مهم، ولكن من المهم لنساء العالم العربي أيضاً تسنم مواقع اتخاذ القرار.

تطرح هذه الرؤى الاقتصاية والمرأة العربية قد دخلت الربيع العربي من أوسع أبوابه. ففيه تجاوزت حضوراً رمزياً سابقاً لها بأية أحداث عاصفة بتاريخ البلدان، وهو حضور تلازم مع أبوية يفرضها شريكها الرجل. على أنه ومنذ الانتفاضة التونسية بدا واضحاً أنه بدون النساء ليس هناك من ربيع عربي. وميّز هذا التواجد اشتماله على كل أطياف الإناث، وارتباطاتهن السياسية. وستبقى نساء دول الربيع، واليمن بلباسهن الإسلامي، وبراقعهن في ذاكرة العالم لسنين قادمة. وليس مصادفة أن تمنح جائزة نوبل للسلام لهذا العام لتوكل كرمان الصحافية اليمنية وهي التي لم تجد في زيها التقليدي وحجابها أي عائق يقيد ممارسة جهادها في الثورة اليمنية.

بأية حال تستعاد المسألة هنا بارتباطها بالاقتصاد وكيف يمكن النظر إليها بمنظار دول مجلس التعاون.

فكل العوامل التي احتوت عليها ندوة مؤسسة كارنيجي ستفيد منها المرأة الخليجية. ولكن الظروف الاقتصادية وضعت وستضع على نساء الخليج تحدياً جديداً. فليس بجديد القول بأنه ومنذ اكتشاف النفط في الخليج في بدايات العقد الثالث من القرن الماضي، أصبحت دوله منطقة جذب للعمالة المحيطة باتساع. وبتحول دول الخليج الست إلى كتلة اقتصادية بازغة وسوق دولي ناشئ مع انعطاف القرن الحالي تزايد الطلب على يد عاملة تتجاوز بكثير قدرات سوق العمل المحلي.

بدأت دعوات المساواة بين الجنسين في الخليج على نحو وجل مع انتشار تعليم المرأة في البدء، ثم اتخذت منحىً تلقائياً آخر مع انتشار التحديث والعصرنة مع مختلف دول الخليج كل بحسب ظروفه المحلية. ولكن وبتوالي قبول العواصم الخليجية لمقاييس دولية للمساواة بين الجنسين اتخذت جهود تمكين المرأة وإسقاط عوائق دمجها وتقدمها منحىً آخر بالكم والكيف، مثلها في ذلك مثل دول أخرى. ثم أصبحت  تتخذ مساراً آخر بربطها بأهداف وطنية. بات الزج بالنساء في سوق العمل يرتبط بإيجاد حلول لمشكلة الهوية الخليجية المهددة. وأصبح إقناع النساء لقبول الأعمال وتحمل المسؤولية أمراً استراتيجياً يجري القبول به تدريجياً من كل دولة على حدة وبحسب استعدادها الاجتماعي.

وشكل وجود هيكلية تعليمية محلية للبنات للمراحل من الابتدائية وحتى الثانوية أمراً مسهلاً ودافعاً لدخول مئات الآلاف من البنات في الدراسة. وعلى نحو مماثل أدى فتح جامعات وطنية وأجنبية في العقدين الماضيين في المدن الخليجية لسقوط عائق آخر أمام المرأة في الخليج. كانت عائلات عديدة تتردد في السماح لبناتها بالسفر لدول عربية أو أجنبية لإكمال تعليمهن الجامعي. أما وقد قدمت وسائل التعليم إلى أماكنهن، رأت الآلاف من النساء أن في ذلك فرصاً طالما حلمن باقتناصها.

وبسنوات قليلة اندفعت المرأة الخليجية في جهد متصل للتعلم والإنجاز. وشهدت تلك السنوات تقدم المرأة في إنجازاتها التعليمية والوظيفية أحياناً على زميلها الرجل. ففي آخر كل سنة ومع إعلان النتائج في المراحل الثانوية، وبالجامعات من بَعد، لم يغب على الملاحظة نيل المتخرجات مراتب للتفوق التعليمي بانتظام. وحتى بمجال سوق العمل غدا حضور النساء بقطاع التعليم والصحة بارزاً للعيان.

وهكذا تجد نساء الخليج في تحديات يخلقها الازدهار الاقتصادي الخليجي فرصاً أمام حضورها واستجابتها لها. وتضيف تجربة المساواة بين الجنسين أفقاً جديداً مختلفاً عما تواجهه نساء أخريات في مناطق أخرى وظروف مختلفة. بقي على المجتمع الخليجي أن يدرك دور المرأة المميز، وأن يعيد صياغة سياساته الاقتصادية وتلك المتعلقة بسوق العمل على هذا الأساس.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق