ينتهي رئيس اتحاد الغرف الخليجية ورئيس غرفة عمان سعادة خليل بن عبد الله الخنجي إلى أن قيام الاتحاد الخليجي حلم بعيد المنال (مقابلة، الخليج الإماراتية 12/05/2012). ويسرد أسباباً أغلبها اقتصادية أدت به لهذه النتيجة.
وبادئ ذي بدء يتوجب القول بأنه لا خير في وحدة أو اتحاد أو أي كيان جماعي آخر لا يشعر فيه أعضاؤه، دولاً كانوا أو أفراد، بحقهم المطلق في الاختلاف حول الكيان وقضاياه، وبحرية تعبير كاملة للحديث عن الصح به والخطأ، ولتحديد أي الخطوات تصب في صالحهم وأيتها لا تحقق ما يبتغون، وأن تكون ممارسة تلك الحقوق ممكنة فعلياً.
لا ريب أن طريق كل دولة خليجية منفردة نحو الديمقراطية لا يزال طويلا وهو متروك لكل شعب على حدة، ولمستوى تقدمه، وقوة حراكه. ولكن مجلس التعاون التزم منذ البداية بحد أدنى من المساواة بين أعضائه، وقدر من المرونة في اتخاذ القرار. ولربما كان ذلك بحكم طبيعة التجمع من حيث كونه تكتل لدول وليس أفراداً. واستفاد الخليجيون من تجارب عربية مريرة فرضت فيها أنماط تعاون، وصودرت بها حرية كيانات مما قاد إلى الفشل ولتفكك تلك الكيانات، تاركاً كثيراً من المرارة، وإصراراً أكبر على الابتعاد.
وبقدر ما تفيد الخبير الاستعانة بالوثائق المبكرة إلا أن بها القليل مما يمكن أن يشكل خطوات عملية للتقدم والترابط والتكامل، ولتقرير مستوى التعاون، وخطواته المحددة. ولكن ارتبط قيام المجلس منذ أيامه الأولى ببروز تهديدات قومية لدوله وتحديات أمنية استوجبت مخاطبتها. واليوم وبعد مرور ما ينوف على الأربعة عقود على قيام الاتحاد، فلقد تجددت المخاطر وبات التوجه لها على رأس القائمة.
عرض الخنجي أسباباً جلها اقتصادية لدعم وجهة نظره، ورأى أنه ينبغي استكمالها قبل الشروع في خطوات سياسية بين البلدان. ومن تلك الأسباب القول بأنه رغم أن مردود الاستثمارات المحلية يفوق مردود استثمارات دول المجلس بدول أخرى الا أن دول المجلس لا تزال تفضل الاستثمار الخارجي.
وأشار إلى أن اتحاد الغرف الخليجية نشِط مقارنة بغرف عربية أو إسلامية لطبيعته الداخلية ولجهود إداراته وليست لكبر ميزانيته. ولحظ وجود بيروقراطية بأجهزة المجلس تعيق التواصل، وكان يمكن إنجاز الكثير لولا «استثناءات» و«خصوصيات» تطلبها دول لتتفادى تطبيق قرارات اتفق عليها.
وتوقع لسكة الحديد المنوي إقامتها بين دول الخليج أن تسهل أمور القطاع الخاص. وسيبدأ القطار بوصل الموانئ ونقل البضائع ليقلل مسافات النقل البحري والوقت الضائع، وليفسح المجال للموانئ لخدمة دول المجلس وشعوبها. ولا يستثني الربط بالسكة الحديد أفكاراً أخرى للبنية التحتية. وعمان كمثل سترتبط والسعودية براً من عبري لرملة خلية قريباً، تسهيلاً للمواطنين ولتوزيع البضائع وبعيداً عن نقاط حدود تعيق الحركة.
وقال الخنجي أن دول المجلس لا تزال في مرحلة تعاون، وعلى هذه الأسس رسمت الخطط: تعاون متدرج واستثمارات مشتركة، تتحول لشراكة. ولايزال هذا بأوله، ولا تزال بعض دول بالمجلس تمنع تصدير منتجات وطنية لدولة أخرى.
ويبقى التحدي الأكبر، بالنسبة للخنجي، هو المصداقية. فسيتوجب على دول المجلس تفعيل الثقة بالهيئة الاستشارية للمجلس الأعلى وإعطاء صلاحيات أكثر لها، واختيار كوادر مبدعة وقادرة، ودراسة الأمور بالموضوعية والعقل وليس بالعاطفة.
وأعتقِد أن خليجيين كثر يشاركون الخنجي أفكاره. والمجال مفتوح أمام الدول الأعضاء: فمن أراد التقدم بعلاقاته الثنائية فلا خوف عليه ولا هم يحزنون ومن لم يرد ذلك فله الحق المطلق في اختيار مستوى العلاقات بحسب قناعاته ومصالحه. ولكن أيضاً وبنفس القدر لا ينبغي أن تشكل الاتفاقات الثنائية عوامل ضاغطة على دول أخرى.
ومجلس التعاون يسير سيراً طيباً، وهو يشكل أفضل تجربة تنمية يؤديها كيان عربي حتى الآن. وبدون تنمية ناجحة سيصعب العيش بزماننا هذا وسيستحيل التفكير بديمقراطية موفقة. ولذلك رغم الجلبة التي تخلقها مؤسسات ودول عربية حول الديمقراطية يبقى أن الديمقراطية بحد ذاتها قد باتت غالية، ويصعب تخيل ممارستها وسط دول تغرق في الديون لمصارف ودول أجنبية، ويصعب الحديث عن سياسات وخطوات تبث الحرية وتحمّل الأفراد مسؤولياتهم في مجتمعات تعاني من الشح، ويعيش مواطنوها في الضنك، ليكون شاغلهم الشاغل تحصيل لقمة العيش يوماً بيوم.
وتصلح تجارب دول الربيع العربي لإثبات تلك النظرة. فبعد انجلاء الغبار، وانهيا أنظمة العسف القديمة، برزت مسألة التنمية الاقتصادية بأوضح ما يكون. وبمقارنة بعض دول عربية بدول الخليج سيتضح الأمر. ولا أفضل من المقارنات الملموسة: فإلى عواصم الخليج يقدم عرب كثيرون للاستقرار والعمل والإبداع، ليؤكدوا الربط بين الديمقراطية والتطور الاقتصادي. ولا نرى هجرة معاكسة من مواطني دول الخليج لتلك الدول. ويجد القادمون للخليج متنفساً واسعاً وديمقراطية تفوق كثيراً ما تقدمه بلدانهم الأصل.
وإذ يقدم الخنجي الاقتصاد على السياسة، فهو يعبر عن كثيرين. فهو يرى الخطوات الاقتصادية منضجة للعوامل الاقتصادي وباستكمال عناصر التوحد بينها وتمتين الروابط التجارية والخدمية بين أجزاء مجلس التعاون المكملة لبعضها البعض المقدمة للانتقال إلى المستوى السياسي.
لقد مر مجلس التعاون بأمر شبيه حين طرح الوحدة النقدية، حيث قبل بها البعض، ورفضها بعض آخر. وسار كل في دربه دون ضغوط أو دون تعرقل لمسار التوحيد، حيث أنها تسير حسب الخطة المطلوبة. والأمر ينطبق على مسألة الاتحاد: فلكل الحق لانتهاج الطريق المناسبة، وبالسرعة التي يريد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق