قام رحالة صيني كبير اسمه هو جينغ (1371 -1433) بين 1405-1433 برحلات استكشافية من الصين أوصلته إلى هرمز في الخليج وجَدة ومنها إلى مكة والمدينة. وإضافة لكونه قائداً بحرياً مرموقاً ومكتشفاً ودبلوماسياً، كان مسلماً ويتسمى باسم حاجي محمود شمس الدين. كان يمكن لتلك الزيارات أن تحدث تغييراً استراتيجياً في علاقة دول الخليج العربي مع الصين وشرق آسيا حينها. على أن ذلك لم يتحقق.
سبقت جهود حاجي محمود أنشطةَ مستكشفين كبار مثل كولومبس وفاسكو دجاما والبوكيرك بعقود. ولكن، وبينما شكلت رحلاتهم بزوغ روح أوروبية جديدة وحراك يؤذن بفتوح وإنجازات لتلك القارة، كان الحراك الصيني والعربي يمثل آخر روح مبادرة صينية وإسلامية، وبقية رمق حضارتين على وشك الانهيار. وسرعان ما سقطت عواصم آسيا وسواحل الخليج تحت هيمنة أوروبية لم تنته خليجياً إلا بانسحاب بريطانيا في سبعينيات القرن الماضي. بعدها استعادت الاتصالات مع دول آسيا بعض عافيتها وعاد الحديث المباشر بين دول المنطقتين. ولكن ظل الحضور الغربي في الخليج والاقتصادي منه بوجه الخصوص طاغياً إلى يومنا هذا.
شهد الأسبوع الماضي حدثين ذوي دلالة: الزيارة التي قام بها ولي عهد البحرين إلى اليابان وكوريا، وإعلان جمعية المصرفيين بالبحرين أن المملكة ستلتفت باهتمامها المستقبلي شرقاً وأن الجمعية ستبدأ توجهها بإقامة حفل استقبال في طوكيو يلتقي به مصرفيو البحرين بنظرائهم اليابانيين كتعبير عن هذا الجهد، كاستفادة من دروس أزمة 2008 العاصفة التي أصابت عواصم ومؤسسات غربية بالأساس.
ويكاد التاريخ أن يعيد نفسه ولكن بشكل منعكس: فأميركا وأوروبا في آخر أوجهم الحضاري، وتعاني أنظمتهم المالية والاقتصادية من اضطرابات بالغة. وبالمقابل تتوافر دول شرق آسيا والخليج على اقتصادات تتمتع بعافية وروح تجدد. واندفع الخليجيون، وبينهم البحرينيون، لاستكشاف فرص أخرى، وتفادياً لاتباع طرائق باتت موضع تساؤل.
لقد تركت أزمة 2008 ندوباً يصعب تجاوزها في أوساط المهتمين بالاقتصاد، وأصحاب المصلحة في السوق. فيومياً تتكشف دلائل أكثر على أن المناطق التي أصيبت بنيوياً بالأزمة كانت عواصم المال والأعمال الغربية، ومنها امتدت الآثار لتسمم بقية عواصم العالم، وبينها عواصم الخليج. ليس ذلك فقط وإنما أتت الخسائر المالية الكبرى من أصول في الغرب تمتلكها مصارف خليجية. أما ما أصاب الصناديق السيادية الخليجية فكان أكبر من ذلك بكثير. ورغم تحسن قيمة بعض أصول إلا أن الخاسرين قد استوعبوا درساً مريراً، وهم في حالة بحث لكيفية تفادي خسائر مشابهة في المستقبل.
ومن هنا كان قرار مصارف البحرين بالتغيير، والمملكة مركز مالي إقليمي أول في الخليج، ويحتل القطاع المالي قسماً هاماً من ناتجها المحلي الإجمالي. ومن هنا يُفهم قرار جمعية صيارفة البحرين بالدعوة لحفل استقبال بطوكيو، بدل واشنطن كما جرت العادة لسنوات. فمصارف البحرين باتت تفتش عن مصارف وفرصٍ استثمارية بعواصم بها أطر تنظيمية وقوانين سائدة يتجاوز الموجود بعواصم الغرب. وتبحث تحديداً عن مؤسسات مالية أكثر شباباً، وأشد استقراراً تشاطرها البحث عن سياسات جديدة، وفرص مختلفة وممارسات أكثر ثباتاً، وتحالفات مختلفة.
على أن المسألة الأهم والتي اكتشفتها قيادات سياسية خليجية، أن أميركا وبريطانيا بنحو محدد قد تكونان على وشك الموافقة على تغييرات سياسية جارفة بالخليج تلتقي فيها مع قوى إقليمية أخرى. وتبقى التجربة العراقية هي الأكثر إيلاماً وبروزاً فرغم ما قامت به دول الخليج من أعمال في حروب الخليج الثلاث إلا أن العراق قد انتهى به المطاف لأن يصبح نظاماً مختلفاً عن محيطه الإقليمي. وليس الدوْران الأميركي والبريطاني والسياسات التي اتبعتها دولتيهما ببعيدة عن كل ذلك بحيث ينتصب جلياً أمام الخليجيين أن اتفاق سياسات تلك الدولتين مع قوة إقليمية قد يفوق كثيراً الصراع الكلامي بينهما.
بل وكادت سياسات أميركية وبريطانية أن توصل الأمور بمؤداها لنهايات مفجعة بالبحرين. وأوشكت أن تخرج الجزر عن محيطها العربي وعضويتها الفاعلة في مجلس التعاون. وإذ تنبهت القيادة السياسية بها لذلك وضعت في الاعتبار أنه وعلى ضوء مجريات أحداث العام المنصرم بها، والتي صورت خطئاً على أنها جزءا من ربيع عربي وهي ليست كذلك، آن الأوان لاجتراح تغيير. وباختصار توجست قيادات أن يؤدي تفجُّر أي احتكاك إقليمي في الخليج، لصراع أكبر وينتهي بالتضحية بالبحرين.
ومن هناك كانت زيارة العاهل البحريني لليابان وبعدها ولي العهد. وكانت الأخيرة ذات طابع اقتصادي واسع، وأرادت أن تستكشف تخوماً جديدة، وتؤسس لتحالفات أخرى وشملت كوريا أيضاً. وأساس السياسة الاقتصاد. وبين أبرز الخطوات في هذا التوجه منح مشروع أتمتة السجل التجاري البحريني لشركة كورية هي إل جي، حيث قبلت هيئة الحكومة الإلكترونية العطاء الكوري الجنوبي لتأسيس بنية تحتية للسجل بكلفة 8 ملايين دولار. ويعتبر هذا القبول من مؤشرات التوجه الجديد. وبذلك يكون القطاع العام ممثلاً بالحكومة الإلكترونية والقطاع الخاص ممثلاً بجمعية مصرفيي البحرين قد خطوا خطوتين فارقتين ستتركان علامة حاسمة ليس في الاقتصاد فقط وإنما في السياسة أيضاً.
لقد تغيرت أحوال السوق، ولم يعد يسير بقيادة دول الغرب، وتبيان ذلك سيحتاج إلى وقت وعبر تحولات عميقة، وبقدر ما تبكّر دول الخليج في التحضير لتلك المرحلة بقدر ما تتزايد حظوظها في الفوز. ويشكل تنويع الحلفاء أحد أسس النجاح ومصدر توازن وسط عالم سريع التغير.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق