يستعيد الرئيس التنفيذي لشركة سابك السعودية محمد الماضي في خطاب ألقاه أمام مؤتمر بتروتك، المنعقد بالمنامة الأسبوع الماضي بعض مسائل تتعلق بسوق العمل العربي والخليجي يرد فيه:
1. أن هناك 2.5 مليون شاب عربي يدخلون سوق العمل كل عام.
2. والمطلوب خلق 25 مليون وظيفة بكل عقد على الأقل للمحافظة على الوضع الراهن من مستوى التشغيل ولتفادي ازدياد مستوى البطالة.
3. وبالحكم على ظروف دول مجلس التعاون فالبطالة بها عالية جداً وتتراوح بين 11-15% بحسب كل دولة.
4. وترتفع مستويات البطالة جداً بالفئة العمرية بين 20-24، لتبلغ 40% بالمتوسط.
5. ويوظف مواطنو الخليج في أعمال لا تستخدمهم بأكثر كفاءة لمهاراتهم، ليضيف لقلق خليجي حول تلك الظواهر.
وتصلح هذه الأرقام كمؤشر أساس كدليل على أن الخليج لن يكون بمنأىً، ورغم ثرواته الطبيعية، عن وجود بطالة، مقنّعة وغير مقنّعة وبأرقام يصعب تجاهلها. وستجرد أسماء مواطنين وحالاتهم على قوائم معونات اجتماعية أو سجل عاطلين عن العمل بانتظار عثورهم على وظيفة تستخدم تخصصاتهم. وسيبعث طول كل سجل على القلق، وسيقتضي التحضير المستقبلي له.
ويتوقع محمد الماضي أن تترافق تلك الحالات مع ظواهر أخرى تخلقها مؤسسات الدولة: مثل إعداد برامج للتأهيل والتدريب، وتصنيع المجتمع، إعادة توجيه مواد التعليم ومخرجاته ومحاولة تغيير الثقافة السائدة. ويترافق ذلك أو تنبثق عنه قيم ومقاييس مختلفة عمّا هو سائد الآن تعلي من شأن المسؤولية الفردية وتقلل من التطلع للدولة لمخاطبة حاجات الأفراد وتحقيق أهدافهم المهنية ومتطلباتهم المعيشية. وتتضمن الشروط الجديدة الاقتناع بأن أسواق العمل في الخليج لم تعد، أسواقاً محلية، تلعب فيها الأصول العائلية للأفراد دوراً كبيراً في الحصول على وظائف وبالتالي ضمان مستقبلهم المهني وحياتهم المعيشية. أو على الأقل ليس بما يتوقعه مواطنون كثيرون.
وباختصار تتقدم المجتمعات الخليجية بتسارع نحو سوق عمل تلعب فيه المهارات الفردية دوراً أكبر بكثير مما كان سابقاً، وسيقل تباعاً فيه دور المعارف والوساطة والعلاقات العائلية. لن تختفي تلك العوامل تماماً، ولكن دورها سيتراجع مع السنين وفيما يخص أعداد متزايدة من المواطنين.
ولمواجهة مثل هذه التغييرات الجارفة، سيتطلب الأمر وعياً متزايداً من الشباب في مراحل التعليم وحين اتخاذ قرارات حاسمة في لأن يبدأوا بحثهم عن تعليم لا يستجيب ورغباتهم الفردية لمهنة ما وميولهم الذاتية لتخصص معين للمستقبل فقط، ولكن أيضاً مع مخرجات تعليم تتفق ومتطلبات سوق العمل ومتغيراته. سيتطلب الأمر من أجيال قادمة ألا يسأل الفرد منهم نفسه عما هو قطاع العمل الأقرب إلى نفسه، وإنما ما هو التخصص الأقرب لمهاراته ضمن تخصصات متوقعة أو مطلوبة بالسوق بعد خمس أو عشر سنين.
وتمر هذه الحالة بأمر آخر. فمسؤولون خليجيون عديدون يودون التأثير في قانون السوق برغبة إعطاء الخليجيين أولوية في وظائف ينتجها اقتصاد بلدهم النامي وأن يحصلوا على أعمال بدرجات أفضل وبمرتبات مجزية. ويترافق هذا التوجه الحكومي مع ميل آخر في أوساط مؤسسات صغيرة ومتوسطة. فقد تصبح بعض أعمال تلك المؤسسات متدنية اجتماعياً أو متطلبة بدنياً ولا تعود جاذبة للمواطنين فينتج عن ذلك اعتماد على عمالة أجنبية. وينتهي الأمر إلى أن المواطن الخليجي يضحي موجوداً في أعلى سلم المؤسسة المعنية مع تلاشي دوره في عملية الإنتاج الفعلية، ولربما ينتفي بمرور الزمن.
وهذا لا يتعلق بقطاعات مثل الإنشاءات مثلاً التي يكاد العنصر الوطني أن يغيب منها تماماً. ولكنها تنتقل حتى إلى الشركات البيتية الصغيرة، وتلك التي تديرها نساء. فقد درجت عائلات منتجة عديدة على إدارة أعمالهن بالاعتماد على عنصر أجنبي في الصناعة والتوزيع. وبات العنصر الوطني يكتفي بتحصيل العائدات والقليل من الإدارة. وكلما أدى نجاح مشاريع صغيرة تعمل من بيوتها كلما برز اتجاه نحو استيراد عمالة من الخارج.
ولذلك فمتطلبات إعداد جيل قادم من خليجيين وخليجيات لسوق العمل يشترط إدراكهم أمورا عديدة كالقول بأن طريق الاستجابة لشروط سوق العمل تتضمن الوعي بمنعطفات كثيرة وإحداث تغييرات تستجيب والواقع المحلي وشروط تحقيق خلطة متوازنة تحافظ على الهوية والحقوق المرتبطة بها وتحقق التنمية والتوسع.
وسيعتمد بلوغ ذلك كثيراً على وعي المواطن وإلمامه بشروط المستقبل، وبنائه الذاتي ولمؤسسات مجتمع مدني الخاصة به وتقليل الاعتماد الكلي على مؤسسة الدولة كضامنة لقادم الأيام. فمؤسسات الدولة قد تحركها عوامل تختلف في أحيان كثيرة عن توقعات الأفراد، ولا تتطابق معها بالضرورة.
وأسواق الخليج تتطور بفعل عاملين: دافع محلي للتوسع والتنمية. وهناك دافع دولي، بدأ واستمر لعقود تلت اكتشاف النفط، حيث ضغطت دول عديدة لإعادة تدوير أموال البترول المتراكمة، وبعدها وبتزايد مكانة الخليج المالية عالمياً، بات الضغط عليه للفعل لدوره الاقتصادي العالمي. ولذلك فمفاتيح التوسع الضاغطة كثيرة. والقرارات الخاصة بتفاصيل التوسع الاقتصادي لا يمكن التحكم فيها محلياً. ولذلك تعود الأمور لتستقر بيد المواطن الخليجي ذاته، واعتماده على نفسه في التخطيط لمستقبله.
وهكذا ومع وصول الجهاز الحكومي وشبه الحكومي إلى تشبع تضيق فرص الحصول على وظائف فيه ويتزايد احتمال تراجع مؤسسات رسمية عن قبول مرشحين لوظائف قائمة بها، سبق لآخرين الحصول عليها. وتعود الأمور ليد الأفراد من الناحية الفعلية لسعيهم المستمر للحصول على فرص أخرى وضمان مستقبل الفرد بعالم متغير.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق