الاثنين، 16 يوليو 2012

المنامة بعد مسقط .. السائح المحترم

جرَد الأمين العام لمنظمة السياحة العالمية طالب الرفاعي على هامش مؤتمر صحفي عقده بالمنامة الخميس الماضي، نقاطاً لتعتني بها المنامة بعد انتهاء دور مسقط كعاصمة للسياحة العربية وعلى ضوء إنجازات عمانية محققة في شهور ستة منصرمة. وعلى رغم توقعات سيئة على السياحة الخليجية برزت بسبب اضطراب اقتصادات دول المصدر في السياحة وتأثيرات محتملة للأزمة العالمية، واضطراب أحوال دول الربيع العربي، إلا أن الأمور لم تكن بسلبية التوقعات.

يشرح الرفاعي كيف أن مصر وتونس بدأتا تُظهران مؤشرات تعافٍ من مصاعب مرّتا بها، وكذلك حال الأردن وعمان والإمارات واستعادتهم لشروط التعافي المستدام. فقد زاد شغل فنادق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منذ بدء العام وحتى مايو أيار بنسبة تتجاوز الـ 10%. وزادت نسبة حجوزات شركات الطيران الشرق أوسطية بنسبة 17%. وكبُرت طاقة الناقلات الجوية بنسبة 13% للفترة بين كانون الثاني (يناير) ونيسان (أبريل) 2012. واستمرت سياسات عامة للسياحة مكرسة للتنويع الاقتصادي ولخلق وظائف يحتاجها الاقتصاد بشدة، وخاصة بين الشباب.

ولقد أظهر قطاع السياحة دائما مظاهر نمو ومرونة تفوق المعتاد، وليس هناك ما يمنع بروز ذلك مرة أخرى. واستعاد الرفاعي توقعات وثيقة «السياحة نحو 2030» حول نمو الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنسبة 4.6% سنوياً وبفارق كبير عن المستوى العالمي. ويتوقع للمنطقة أن تستقبل ما يزيد على 195 مليون سائح وهو معدل يفوق الحجم  الحالي والبالغ 80 مليون مسافر.

وسيرافق تلك الإيجابيات بروز تحديات خمسة. الأول: إزالة عوائق نمو وهي التأشيرة والضرائب. والثاني تقوية إصرار الصناعة. والثالث: التكيف مع تغيرات أنماط المستهلكين. والرابع: تطوير لنماذج رجال ونساء أعمال جدد فيما يخص البيئة والمجتمعات. وأخيراً إيجاد سياسات تضمن أن القطاع يفيد بنشاطه السكان المحليين.

ويعرج الرفاعي على السياحة الخليجية ويفصّل حول البحرين، ويعتبرها قصة نجاح سياحية لعاملين: الأول استقبالها لأربعة ملايين زائر عام 2000. وقفز العدد بعدها إلى 10 مليون عام 2010. وتضاعف الدخل من صادرات متعلقة بالسياحة في عشر سنوات من 600 مليون دولار أميركي إلى 1.4 بليون لعام 2011.

واستفادت البحرين من توسط موقعها القوي وخاصة في السوق الإقليمي. واستفادت أيضاً من اختيارها كعاصمة أولاً للثقافة العربية لعام 2012 وللسياحة العربية عام 2013. وأفادت تلك المبادرات في تثبيت صورة البحرين كمركز أحداث، يتزايد ارتباطها المركزي بتطور السياحة، ومراكمة تشكيل صورة إيجابية عن البلد، وتنمية الخلق والإبداع وإيجاد فرص عمل جديدة.

وفيما يخص العلاقة بين السياحة والثقافة، فالأُولى تلعب دوراً محوريا في كسر الحواجز بين الثقافات، وتنمي التسامح والاحترام والتفاهم المتبادل. وتمثل هذه القيم علامات طريق لعالم أكثر سلاماً، واستقراراً وازدهاراً، تثريه الثقافات.

وتقوم السياحة، والحديث للرفاعي، على أساس التفاعل الإنساني، والتبادل والحوار. وبات تجريب طرائق عيش أخرى وعادات مختلفة، وزيارة المواقع الحضارية عوامل محركة للسفر، تؤدي بدورها لخلق مصادر للدخل والوظائف. وعادة ما يحوّل الدخل العائد من السياحة للمحافظة على المواقع الحضارية بل وإعادة إحياء الثقافات.

وبالمقابل فإن نمو السياحة يأتي بمسؤوليات للتقليل من أية آثار سلبية على أية أصول ومصادر حضارية.

ويختصر الرفاعي قائلاً بأن سياسة وطنية للسياحة (يدعمها التمثيل الشعبي في البرلمان) هي ضرورة لتنمية العائد من السياحة لإحداث التغيير في اقتصاد البحرين، ولتشجيع  الإبداع والتجديد ولتطوير فرص نمو جديدة وللتأكد من أن النمو هو عملية مسؤولة ومستدامة، ويسير حسبما تدعو إليه منظمة السياحة العالمية وقواعدها العالمية  لأخلاقيات السياحة.

وتدعو المنظمة لضرورة جلب كل المعنيين بالأمر معا – وإن اختلفت مصالحهم – لتحقيق تفاهم مشترك ومتوازن حول الفوائد المحققة بين الحاضر والمستقبل، وبين المحافظة على الأمور وتطويرها للوصول إلى نتائج يربح فيها كل الأطراف.

وختم الرفاعي كلامه بالقول بأن منظمته تود تقوية شراكتها مع البحرين ضمن نظام الأمم المتحدة، ليتأتى تطوير إسهام السياحة النمو الاقتصادي والتنويع وخلق الوظائف وإنشاء مؤسسات أعمال اجتماعية وللمحافظة على البيئة وتحقيق التنمية المستدامة وللتشارك في سياسات تمكين طاقات التنمية وزيادة قدرات النساء والشباب.

ويشكل اختيار مسقط وبعدها المنامة فرصة لإعادة تعريف السائح العربي الجديد. فقدوم السائح ليس فرصة لابتزازه، وزيارته إلى بلد جديد لا يجب أن تعني أنه وقع في فخ تتجاذبه أيادي مسوقي البضائع والخدمات السياحية، بدءاً من تاكسي المطار ومروراً بالفندق والمطاعم ومواقع الإغراء السياحي. وبينما تستمر دول عربية غير خليجية وقديمة، ولا نقول عريقة، في السياحة في ممارسة العادات القديمة تظهر فرص كثيرة أمام مسؤولي السياحة الخليجيين لتصحيح الصورة النمطية عن السائح لدى بلدان الاستقبال. والدول الخليجية الست قادرة بتمكن من تثبيت الصورة الجديدة، مثلما استطاعت على مدى السنوات الماضية من تغيير مفاهيم الأعمال والتنمية المستدامة والتنويع الاقتصادي.

فالسياحة لم تعد تقتصر على دول لديها آثار ومواقع تاريخية للزيارة، بل أصبحت علماً يدرس وفناً يُتقن وممارسة تُقتفى وطرائق حديثة للسير عليها. وتفتقد كثير من الدول العربية لتلك المقاييس، ولربما لا تمتلك الرغبة في التغيير أو تحمل كلفه. ومثلما خلق الربيع العربي إنساناً جديدا، فالدول الخليجية مدعوة لتسهيل بروز سائح عربي جديد، ومُضيف مختلف، ومفاهيم حديثة لهذه الصناعة. والرأسمال الأساس فيها هو كيفية بلورة علاقة جديدة بين أهل الصناعة ومستهلكي الخدمات المقدمة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق