ليس هناك من داع لقول الكثير عن طبيعة العلاقة التي ربطت وتربط اليمن ودول مجلس التعاون الخليجي، ولكن ربما تجدر الإشارة إلى أنه وبدخول العصر الحديث وتبلور كيانات عصرية كانت اليمن ليست قريبة جغرافياً وحسب وإنما أيضاً قريبة أكثر من غيرها إلى روح الخليجيين، وقدرة الطرفين على التفاهم المشترك.
ومنذ نشوء مجلس التعاون واليمن ترفع عالياً مسألة رغبتها في الانضواء تحت لوائه والتشكل كجزء منه.
ومؤخراً نشر رجل الأعمال الشيخ سلطان القاسمي ورئيس مجلس فرع القيادات العربية الشابة بالإمارات مقالاً بالإنكليزية دعا فيه لإنقاذ اليمن من انهيار اقتصادي محتوم بسبب إدمان يصل لـ 90% للسكان على القات. وأثار المقال جدلاً واسعاً على شبكة الانترنت وصبت مجمل النقاشات التي استثيرت على أمر واحد، وهو أنه ما لم ينتبه مجلس التعاون مبكراً إلى مشاكل اليمن، فستصبح اليمن مشكلة مجلس التعاون مع مرور السنين: ستصبح خزاناً بشرياً، مليئاً بالمصاعب الاقتصادية، دون أن يرتسم أمام سكانه من أفق غير الهجرة لدول المجلس.
يتركز مقال القاسمي حول انتشار القات في أوساط اليمنيين وتزايد هذا الانتشار في السنوات الأخيرة. وفي الحقيقة فإن هذا الانتشار قد ترافق مع ظاهرتين لافتتين للانتباه الأولى: هو القبول الواسع بتناول القات. لقد عشت لسنوات باليمن وكنت أسمع وأحياناً أرى بعض تلك المجالس، لكنها ظلت وإلى حد كبير يغشاها الشعور بأن مضغ القات هي مسألة تدخل في ما يقوم به الإنسان من أمر دون أن يكون بالضرورة مدعاة لشعوره بالرضا عنه، يشبه في ذلك مثلاً ممارسة الإنسان للتدخين. فهو ليس بالأمر الذي يحرص على أن يعلمه للأبناء، ويكون الإنسان شاكراً إن تمكن من تركه.
تحول هذا التصرف إزاء القات إلى شيء مختلف في السنوات الماضية، حين نما إلي أن بعض الوفود التي تزور اليمن كانت تستضاف على مجالس قات، وأن الشعور الذي يطرح حول ذلك هو أن القات بات نوع من التراث الشعبي ولم تعد هناك من غضاضة في أن يتعرف عليه الزائر.
الأمر الثاني أن ظاهرة أخرى بدأت أيضاً في البروز وهي ظاهرة تعاطي المرأة للنبتة، وأن مجالساً نسائية للقات آخذة في الانتشار وأن وراء ذلك مسألتان متناقضتان وإن اتحدتا في التبلور في نتيجة واحدة. الأولى: أنه ومن جراء شكوى النساء من رجالهن من النتائج السلبية للقات والتي تؤدي إلى ضياع قدر كبير من الدخل الخاص بالأسرة على عادة استهلاكية منهكة فقد غض الرجال عن تناول النساء لتلك النبتة مما أدى إلى خفوت الشكوى النسائية. والمسألة الثانية أنه وبتعاظم مطالبات المرأة بالمساواة مع الرجل، وجدت بعض النسوة في حق تعاطي القات أمراً جديراً بالمطالبة به وهكذا كان.
وبالعودة لمقال القاسمي، فإنه يتحدث أيضا عن كيف أن الوقت الذي يقضيه الرجال في تعاطي هذا المخدر ينال كثيراً من انتاجيتهم، حيث تتسرب ساعات النشاط التي يكون سكان الجزيرة العربية في قمة نشاطهم وهي ساعات العصر والمساء التي تنخفض فيها الحرارة كثيراً لانكسار الشمس، تتسرب بفعل جلسات القات التي تستمر لساعات وساعات، وتنتشر عادات الأحاديث والوقت الضائع المتزامن مع مناطق أخرى في الجزيرة العربية تشهد نشاطاً إنتاجياً اقتصادياً وحياتياً مرتفعاً.
ويضيف القاسمي إلى ذلك أن تزايد السكان يترافق مع الضغط على مصادر المياه التي توشك أن تنفذ في اليمن مع تراجع قدرات تجددها. ويختتم مقاله بالدعوة لأن يبذل مجلس التعاون الجهود من أجل مساعدة اليمن للتخلص من القات، كمقدمة لتطوره الاقتصادي، وإن لم يفعل فإنما هو يتجاهل مشكلة تكبر كما كرة الثلج، وتهدد بدورها مستقبل مجلس التعاون نفسه، عبر وجود هذه الكتلة السكانية الفقيرة التي يمكن أن تتحول لمصدر هجرة منتظمة شرعية أو غير شرعية لدول الجوار.
بالطبع وبالرغم من النوايا الحسنة التي يكتنفها مقال القاسمي، إلا أنه تبقى أن مشكلة القات في اليمن هي مشكلة يمنية الأساس والحل، ولا يمكن لأي جهة عربية أو حتى دولية أن تتدخل إن لم يصل أصحاب المشكلة إلى أن ما يمرون به هو مشكلة فعلياً، وبعدها يبدأ البحث عن الحل. القاسمي يقول بأنه يتوجب على الخليجيين أن يتصرفوا إزاء اليمن تصرف الأخ الأكبر إزاء أخ له صغير ومدمن، مما يفرض أخذه لمصح ولو بالقوة.
ولكن الأمور ليست بهذا التبسيط، بالطبع. والقاسمي سيد العارفين.
يبقى الأمر الثاني وهو مدى اعتناء الخليجيين بأمر التطور في اليمن، كجزء من اهتمامات الخليجيين الجزيرية أولاً والعربية ثانياً من ناحية، وتوقياً لأية احتمالات مستقبلية قد تؤثر على مسيرة الاتحاد.
هذا النوع من التفكير والتخطيط يستعيد ما يسمى بمسألة التفكير المستقبلي، والنظر الاستراتيجي للأمور. ولقد بدأت بعض تباشير بروز مثل هذه الاهتمامات تظهر لدى بعض مراكز الأبحاث الخليجية. ومن ذلك مثلاً ما تم في البحرين بانعقاد منتدى التنمية الخليجي حيث استعرضت بعض مسائل تحاول استشفاف أمور تتجاوز القائم والقريب حدوثه، إلى استكناه موجات التغير الأكثر عمقاً وأوسع انتشاراً.
وغني عن القول أن علاقات دول الخليج بدول الجوار تشكل أحد أهم تلك المواضيع التي لم تنل حتى الآن عناية كافية.
وحتي يتم ذلك ينبغي تكثيف التواصل من قبل مؤسسات المجتمع المدني الخليجية مع مثيلاتها بدول الجوار وفي مقدمتها اليمن.
جملة أخيرة، فقد أخبرني أحمد المطوع الأمين العام لمنظمة الخليج للاستشارات الصناعية وأنا أسجل السطور الأخيرة من هذا المقال أن التكتل الاقتصادي الخليجي الضخم الذي أنشئ لإقامة صناعة للحديد بمنطقة الخليج، ربما اختار اليمن لإقامة الصناعة التحويلية بها، إن تأكد وجود خام الحديد بكميات تجارية ومواصفات صناعية مقبولة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق