يعرّف جوزيف هانلون وآن بتيفور الدَّيْن في العالم على أنه عبارة عن حلقة مفرغة من الدائنين الذي "يفرضون" قروضهم على مستدينين ويغضون الطرف عن سوء استخدام تلك الأموال، ولتفادي النقد إزاء تصرفهم هذا يضيفون المزيد من الشروط لمزيد من الإقراض. وبعض تلك القروض تبدو أحيانا (وفي الحقيقة أنها كذلك أحياناً)، ولكنها في كثير من الأحيان تخدم مصالح الدائنين أكثر مما تساعد المستدينين. ويشكل جزءا من الدائرة أن بعض الدول تنغمس في الدَّين أكثر فتهوي إلى مستويات أدنى من الفقر في محاولاتهم للدفع. يقوم بعدها الدائنون بفرض حزمة شروط مما يصفونها بأنها مضادة للفقر ومضادة للفساد ولكنها تتضمن في الحقيقة أجندات أخرى، مثل فتح البلدان الفقيرة أمام الشركات المتعددة الجنسيات. وحتى حينما تكون الشروط معقولة فإنها تماثل تنبيهات الصحة على علب السجائر – فهي هناك من أجل أن ترضي النقاد، ولكن مصنعو السجائر يأملون بمواجهتها بحملات دعاية أكثر ضراوة.
أتيت بهذا المقتطف لأن أياً من السوءات المذكورة سابقاً لا تتضمنها الكثير من الديون والمساعدات الخليجية للدول الشقيقة والصديقة. فهي لم تُفرض بالقوة، ولم يكن في مقدور دول الخليج ولا من حقها أن تراقب صرفها، ولم تكن الحكومات الخليجية في موقع فرض شروط متصاعدة على المستدينين. وحين يأتي وقت، ترتفع فيه المطالبة بإسقاط تلك الديون، فغالباً ما يتم ذلك لأسباب سياسية.
تتخذ مسألة الديون والمساعدات الخليجية طابعاً مختلفاً عمّا تتخذه مثيلتها القادمة من الدول الغربية. فإذ ينظر إلى الأخيرة على أنها أموال نتجت عن حسن إدارة وثراء مكتسب، ينظر إلى أموال الخليجيين على أنها من ثمار الطبيعة التي لم يقم أهلها بأي جهد للحصول عليها، وإنما هي نعم أسقطتها السماء لربما على البقعة الخطأ من العالم، وسقطت في أيد لا تستحقها.
وبينما يسعى الغربيون إلى الدول الأفقر لإقناعها بالحصول على الديون لا يقوم الخليجيون بذلك. فهم قد أنشأوا مجموعة من الصناديق الخاصة بالتنمية التي تعمل من أجل مساعدة العديد من الدول الأقل نماءً.
بالطبع لا يود المرء أن يعطي الانطباع بأن ميكانيكية إعطاء المساعدات والقروض الخليجية ومتابعتها وتحصيل مستحقاتها، كلها تصدر من الدول الخليجية على نحو رائع، وإن ليس بالأمر أية نواقص.
ولكن هذا أمر، ومسألة الطلب من الدول الخليجية بأن تلغي ديونها المستحقة لبعض الدول شيئ آخر. فلقد تصاعدت مؤخراً الموجة التي تجري فيها دعوة تلك الدول للتنازل عن ديونها لقاء لاشيء. وهناك مسائل ثلاث تتصل بهذا التطور،
الأولى: أن إرغام الدول الخليجية للتنازل عن ديونها يتم تحت ضغوطات لا تستثني إدخال دول أجنبية في الموضوع والاستفادة من نفوذها الخاص بدول الخليج للطلب من الأخيرة التنازل عن تلك الديون تحت مختلف المبررات والضغوطات.
والمسألة الثانية: أن تلك الدول أو الجهات المستدينة لا تكلف نفسها التفكير والعمل لإيجاد مخارج معقولة ومفيدة للطرفين. لا يجري التفكير حتى في مشاريع استثمار مشتركة، ولا في إيجاد حسابات بالعملة المحلية لتغطية بعض تكاليف الدول في عواصم الدول المدينة. ينصب التفكير على حل واحد: الإلغاء.
والثالثة: أن الدول التي تطلب التنازل ثرية وبعضها أثرى بكثير من بعض الدول الخليجية. وهي تمتلك مصادر طبيعية متعددة. هي كلها تشير إلى إمكانيات وقدرات يمكن الاستفادة منها كاستثمارات مشتركة، وتأتي باحتمالات لحلول ممكنة.
يبقى أن دول الخليج تكتشف يوماً بعد يوم أن متطلبات التنمية تفوق التوزيع المبسط للعائدات من مصدر طبيعي هو النفط يعرف الجميع أنه سائر للزوال. وليس كذلك فقط وإنما حتى مع وجود ذلك المصدر ولسنوات فهناك شروط التنمية الحديثة التي باتت تفرض ضغوطها على الاقتصاد الخليجي بشكل متزايد وحتى بمستويات إنتاج البترول الحالية، ومع تزايد أسعار النفط. فهناك بيوت للسكن يجب أن تشيد لتنقل المواطن الخليجي للعيش في مساكن تتماشى والقرن العشرين، وهناك مصانع وشركات يجب أن تنشأ لإيجاد وظائف لسكان متزايدين، وهناك مدارس وجامعات ومستشفيات. ثم هناك متطلبات الدفاع الباهضة ولكنها الضرورية لأمن منطقة ما فتئت مهددة إما لموقعها الاستراتيجي أو لثرواتها الطبيعية أو لمكانتها التاريخية. وهذه كلها عبارة عن كلف يتوجب دفعها، وآخر ما يريد الخليجيون سماعه هو أن يطلب منهم التنازل عن ديون قدموها عن طيب خاطر حسب اتفاق بأنها ستسدد ضمن وقت معلوم.
ترتبط هذه الظاهرة مع الصورة النمطية القائمة عن الخليجيين على أنهم شعوب بدوية تجمع بين الجهل والسذاجة، وإنهم إن استثيرت بهم نخوة ما يستعدون بعدها وبقليل من الضغط، التخلي عن حقوقهم التي ستبرز لهم على هيئة أرقام لا أكثر ولا أقل.
هذه الصورة التي تشكلت عن الخليجيين نحن مسؤولون عن بروزها واستمرارها، ولن تتغير ما لم نعمل على تغييرها، والله لا يغير بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
وبادئ ذي بدء يجب أن نرفع الصوت مطالبين بألا تتخذ دول الخليج قراراتها بالتنازل عن ديونها، لأنها مليارات من الدولارات تعود لشعوب المنطقة، ثم أنها بأمس الحاجة لها. وعلى من يطالب بإلغائها أن يفكر بشكل أفضل ويأتي بمشاريع تفيد طرفي المعادلة وتدفع في مسيرة تقدمهم المشترك.
وهناك العديد من المشاريع التي يمكن أن يُفكر بها، بحيث تدفع الدول المستدينة بما تملكه من قدرات محلية لتسديد تلك الديون.
إن هناك تيارات متعددة في أوساط أصحاب القرار وصانعي السياسات مضافاً لها ما يفكر به إعلاميون ومفكرون، وهي تيارات تتوزع من الرفض الكامل لإلغاء أي دين خليجي على أية دولة، وانتهاءاً من الاستعداد المطلق للتنازل عن تلك الديون لقاء لا شيء عدا عن التعبير عن الشكر والامتنان الرسمي. وبين هذا وذاك يمكن التفكير بأمور أخرى.
وتبقى المسألة مرتبطة أساساً بمسائل الحقوق، والدخول في المجتمع الحديث بما يتضمنه من إقامة علاقات اقتصادية ومالية بين الدول متساوية، وترتبط أيضا بمتطلبات التنمية في كل بلد خليجي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق