أعلن مصرف آركابيتا البحريني عن مشروع طموح لاستثمار 2 مليار دولار أمريكي لتطوير مزارع طواحين هواء لتوليد الكهرباء بمنغوليا بالصين بطاقة إنتاجية تبلغ 1.650 ميغاواط.
وكان أول ما طرأ على البال هو لماذا الصين وليس الخليج. وهل هذا مقدمة للاستفادة من تلك التقنية لتوطينها لاحقاً لدينا. يذكر أن بنك آركابيتا هو مصرف بحريني إسلامي، وله مكاتب بأتلانتا ولندن وسنغافورة.
وكان جواب السؤال الأول أن المصرف هو مؤسسة استثمارية بالدرجة الأولى وهو يتابع الاستثمارات الرابحة أينما كانت، ولقد برزت فرصة هذا الاستثمار وليس هناك من مانع، بل توجد كل الأسباب الداعية للاستفادة منها وفي مقدمتها كون الصين مستهلك شره للطاقة، وطلبها المتنامي على مصادر الطاقة سيتزايد مع السنين. والثاني أن الموقع الجغرافي في منغوليا يتمتع بوجود رياح قوية ومنتظمة. كما علمت أن الاستثمار في هذا المجال لا يشكل بالضرورة مقدمة للاستفادة من تلك التقنية خليجياً أو توطينها هناك. وفي الحقيقة أن البنوك حينما تستثمر في مثل تلك الأمور لايعني أنها مهتمة بمحتويات الاستثمار بقدر اهتمامها به من ناحية الأرباح والخسارة. ولا يجب تحميلها لا أكثر ولا أقل من ذلك. ويبقى الاستثمار من حيث كونه سيزيد من خبرات المصارف الخليجية وقدراتها الدولية، وإلى هنا تنتهي قصة آركبيتا.
وتبقى التقنية التي ستطور في الصين وأهمية أن تستثير في الخليجيين الاهتمام اللازم للاستفادة منها.
ومن عجائب الصدف أن أقدم طاحونة هوائية معروفة في العالم قد رأت النور على ضفاف الخليج وفي ساحله الشرقي وبرزت في الفترة ما بين 500-900 ميلادية. وهناك اعتقاد، وهذا من غرائب الصدف أيضاً، أن الصين هي أقدم مكان رأى اختراع هذه الآلة، ولكن ليس هناك أدلة على ذلك. والمهم في الموضوع أن أوروبا قد عرفت الطواحين الهوائية بعد الحروب الصليبية. وبعدها ومثل كثير من الأشياء، طورها الأوروبيون، ولم تلق منا اعتناءاً كافياً. مرت عبرنا، وتجاوزتنا. تلقفها الغربيون وتحديداً الهولنديون والإنجليز وأوصلوها لمستويات رفيعة حتى استقر الأمر لدى الأميركيين حيث أعطوالطواحين الدفعة الأخيرة من التطوير لتستقر ومع نهايات القرن التاسع عشر على تصميم استمر بشكله العام إلى يومنا هذا، واقتصر فيه التغيير اللاحق على مواد التشكيل أكثر من هندسة التصميم. أما التطوير الأساس الذي أخذ في التبلور فهو استخدامات الطواحين. فلقد عملت لقرون لطحن الحبوب ولضخ الماء. وحين برزت قوة البخار أثرت سلباً على انتشار الطواحين ولكنها ظلت حية في كثير من المناطق بما فيها أميركا.
ومع تزايد الوعي البيئي، استدعيت هذه الآلات القديمة مجدداً إلى الخدمة، وتزايد الحديث عن استعمالها لتوليد الطاقة الكهربائية من مصدر طبيعي متجدد مقارنة مع استخدام طاقة زيت الأحافير أي البترول المضر بالبيئة والقابل للنفاذ.
وللمقارنة يمكن لإحدى المحطات الحديثة لتوليد الكهرباء أن تنتج من 500 إلى 1300 ميجاواط، بينما يمكن لطاحونة هوائية مربوطة بمولد أن تنتج كمية تصل حتى 6 ميجاواط.
مرت علينا هذه التقنيات دون أن نشارك لا في التصاميم ولا في الاستفادة. وأعتقد أن الأوروبيين قد أدخلوا بعضها في بواكير الأيام للخليج في بداية القرن العشرين، ولكن دخول عصر النفط قد أودى بتلك البدايات كما أودى ببعض من الأمور الجيدة في حياتنا.
ولكن من الأفضل أن نتأخر من ألا نصل أبدا. فهناك الكثير من الأسباب مما يجعلنا نهرع لدخول هذا المجال وبأسرع ما يمكن.
أول تلك الأمور أننا بحاجة لنكون في مقدمة الباحثين عن أمر وفيه وهو شأن يتهدد مستقبلنا. فأيٌ مما يهدد مكانة النفط واستخداماته هو أمر حياتي بالنسبة لنا وللأجيال القادمة بعدنا. إن ارتفع سعر النفط زادت مداخيلنا، وإن قلت ضاقت أيادينا، وإن تلاشى الطلب على الزيت، ستنهار اقتصادتنا. والكل يبحث الآن في تملك وسائل جديدة للطاقة، والولايات المتحدة أنفقت ولا تزال ملايين الدولارات لإجراء الأبحاث حول مولدات توليد الطاقة الكهربائية من الهواء. وتتسابق الولايات المختلفة على إنشاء مزارع تعمل بتلك الطواحين يحضها جميعاً الاعتقاد بأنه يمكن لتلك الآلات أن تحقق للإنسان ما يريد بوسائل صديقة للبيئة. ولا يخلو عدوها المتسارع نحو تلك المصادر البديلة من رغبة في التخلص من اعتمادها على نفط الخليج.
وهذا ما يقودنا للنقطة الثانية وهي أن الوعي البيئي بات ينتشر بتزايد في أوساطنا، وباتت أعداد متنامية من الخليجيين تأخذ الاهتمام بالبيئة على محمل الجد وتبث الوعي وتدعم التوجهات للمحافظة على بيئة الخليج، وهي بيئة لم تغادر أجزاء كبيرة منها حالة العذرية. لا تزال كما خلقها الله ووهبها للبشر، ونحن بحاجة شديدة للمحافظة عليها من أجلنا ومن أجل الإنسانية جمعاء.
ثم أنه بات متوجباً علينا أن نبدأ في التفكير الفعلي للولوج في باب البحث العلمي بدل الاستمرار في الوقوف على مدخله كمستخدمين جهلة عالة على هذا العالم. وإذا كانت أميركا بحاجة لأن تستثمر الملايين في أبحاث جديدة مرتبطة بآلة عمرها يرتبط ببدايات التحضر الإنساني فما بالك بنا نحن في الخليج ونحن لا نكاد نخصص من الاستثمار الاجتماعي حتى أقل القليل إزاء البحث العلمي المرتبط باحتياجات مجتمعاتنا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق