قبل أيام وقّع وزير السكك الحديدية الصيني ليو زيجون ووزير المواصلات الإيراني حميد بهبهاني اتفاقا لإقامة سكة حديد تصل طهران بخسروي على حدود العراق، لتربط بكين بالشرق الأوسط فالبحر المتوسط عبر سوريا ولبنان.
دولياً، للخط الجديد أبعادٌ استراتيجية كإنهاء عزلة إيران وتقوية قدرة الصين للوصول لمختلف البقاع إزاء قدرة أميركا وروسيا البحرية، وللتقليل من كلف البضائع الصينية بأوروبا. على أن الأمر المهم هو التأثيرات الخليجية. فحسب الديلى تلغراف والبي بي سي ترى إيران الخط المتجه غرباً توسعاً يتضمن التسهيل على خمسة آلاف إيراني يتدفقون يومياً على النجف وكربلاء المقدستين بالعراق، بمقارنة جلية مع انحسار التدفق البشري العربي على العراق لأوضاعه الأمنية.
سبق الخبر الإعلان تحديداً عن خطتين لبناء سكك حديدية منفصلة، ستترابط لاحقاً لتشكل شبكة خليجية لتتصل بالعراق وسوريا ولبنان.
الأولى: خطط سعودية لربط جدة بمكة والمدينة بسكة حديد يرافقها مترو يربط بين مواقع المشاعر المقدسة بمكة وتتوازى مع مشاريع لربط شمال المملكة بجنوبها ومنطقة جبيل بشرق المملكة مع جدة. ورست مناقصات القبول بالشبكة الأولى على شركة صينية وشركة تاليس الفرنسية ومحلياً مؤسستا الراجحي وبن لادن.
وهناك خطة محددة من أربع مراحل لربط مناطق سلطنة عمان بعضها البعض بشبكة سكة حديد تصل أولاً صحار بالمسفاح قرب مسقط.
وهناك أفكار عن شبكات محلية بالكويت وقطر والإمارات والبحرين لم تتبلور بعد إلا أن الحديث يتزايد عن رؤية لسكة حديد خليجية مترابطة معاً ستنتهي بالارتباط عربياً.
وفي زيارة لي لطهران أَثرت الموضوع مع مسؤولين إيرانيين حدثوني مطولاً عن تطور قدرات الصناعة الإيرانية وبينها مصنع لإنشاء القضبان الحديدية. أعرب الإيرانيون عن استعدادهم لمساعدة الدول الخليجية والتشارك معها بتبادل الخبرات متضمنة الحقوق الملكية الفكرية الصناعية. وأبدوا الاستعداد للمساعدة بمد السكك الخليجية. ألا أن خلف حديث النوايا الطيبة ينتصب عائقان أمام التعاون. أولها العلاقات الإيرانية الخليجية التي تستلزمها الجغرافيا ويوترها التاريخ والحاضر. والثاني: إن الثقة الخليجية بجودة الصناعة لا تمر بطهران. والحقيقة أن لجوء إيران نفسها لخبرات صينية يقوي من تصورات الخليجيين.
وهكذا تعود الخطط الخليجية والإيرانية لمد السكك الحديدية لتتنافس بدل أن تتكامل، وتكتنفها الشكوك والمخاوف عن أسباب مدها، ومؤدى قيامها ونتائج انتشارها، بدل الاحتفاء بها والتطلع إليها. وتعود العلاقات الخليجية الإيرانية لتتقدم خطوة للإمام وخطوتين للوراء، بحسب رأي القائد الشيوعي الراحل فلاديمير لينين. ويظل العراق متجه حروب السكك الحديدية ومقياس انتهائها: هل ستتصل السكك الخليجية بالعراق تقنياً وبشريا، بمعنى هل سيسافر الخليجيون للعراق بموازاة الحركة البشرية الإيرانية العارمة، أم ستنقبض أفئدتهم وتنكفئ أقدامهم من الاتجاه لبلاد الرافدين؟ والبعد جفا.
سيبقى أن مد القضبان مختلف عن استخدامها، ولا يزال قطار الحجاز الذي احتفلت سوريا والسعودية بمئويته قائماً يأكل الصدأ ورياح الصحراء قضبانه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق