«كامل» هو الرجل الآلي الذي طورته شركة النادي العلمي القطري مع شركة كي_تيم السويسرية ليقوم مقام سائقي الإبل من الأطفال الذين جرى منعهم من امتطاء النياق والمشاركة بمسابقات الهجن لمخاطرها عليهم.
مضت تسع سنين منذ بدأت المحاولة الأولى لاستبدال المتسابقين الأحياء برجال آليين. وقبل أسبوعين عرضت محطة الناشنال جيوغرافيك الشهيرة من أبوظبي شريطين وثائقيين لمحاولتين إمارتية وقطرية لاختراع رجل آلي يسوق الإبل. بعد سنين من التجريب تم اختيار النموذج الإماراتي وبات الآن قيد الاستخدام. وبإمكان أي متصفح للإنترنت وإذا ما استخدم جوجل، فسيجد مثلاً أن الرجل الآلي الإماراتي الذي لم أوفق لمعرفة إسمه معروض للبيع بسعر 300 ألف دولار مع تسعة رجال آخرين يقومون بمهام مختلفة بديل الإنسان من رفع الأشياء الثقيلة إلى التصوير عن بعد إلى تذوق الأشربة وإصدار الحكم عليها. تكفي هذه الخلفية للتعريف بجانب من موضوع الحديث.
الأمر الآخر، أنه سبق لي وأن كتبت قبل سنتين تقريباً بجريدة بحرينية داعياً إلى أن يهتم الخليجيون بصناعة الرجال الآليين علّ ذلك يسهم بتقليل الاعتماد على العمالة الأجنبية بالخليج بشكل عملي وحديث ومقبول. ولقد نالت تلك المقالة من السخرية القدر الكبير إلى حد أن طالبني كاتب تقدمي معروف بأن أساعد باكتشاف إن كانت هناك نساء آليات يسهمن بحل بعض المشاكل الرجالية.
ببعض الأحيان تشير السخرية من مسائل معينة إلى محاولة تفادي النقاش الجاد بتلك الأمور، وتكشف أحياناً من تواضع الفهم، ومحدودية الإدراك، وأحياناً باختلاف في المصالح.
لو كنت قد قلت حينها بأن بالإمكان استخدام رجال آليين في تطوير راكبين للإبل ليحلّو محل الأطفال، وهو تطوير كان كان معروفاً بدوائر معينة، لنلت من السخرية الكثير.
المهم الآن أنه إن كان بإمكان الرجل الآلي أن يقود ناقة، فبإمكانه كنس البيت وقص الحشيش وجني الرطب (بمساعدة الكاميرا الآلية وهي متاحة الآن كواحدة من العشرة رجال آليين سبق ذكرهم). وكل عمل أو عملية يقوم به ذلك الرجل يخفف من وطأة الأعمال على ربة المنزل أو صاحب المؤسسة أو مالك المصنع. وذلك سيؤدي إلى تقليل الاعتماد على العمالة الأجنبية دون التضحية بالإنتاجية أو حاجة المواطن الخليجي المشروعة للمساعدة بأعمال حياته اليومية، بعد ازدياد دخله وارتقائه بسلم الحضارة. وبولادة «كامل» وصديقه الإماراتي لا يعود الحديث خيالياً، ولا يعود واقعاً في باب الشطحات. وكل ما تبقى هو أن يأخذ الخليجيون الأمر بمحمل الجد. على الأقل لا يجب أن يكونوا أقل جدية من مراكز أبحاث عالمية ومصانع يابانية وسويسرية منهمكة منذ عقود بتطوير تلك الأجهزة، والتي تخصص استثمارات فلكية، أموالاً وجهوداً بشرية، لكي تكون الرائدة بهذا المجال وتبيع العالم ولربما نحن المنتجات لاحقاً.
بقت ضرورة للعودة لمسألة السيد «كامل» ورفاقه، وهي أن ألا يكرر الخليجيون أخطاء الماضي، حينما صرفوا الأموال على الاستهلاك، وأحياناً إلى حد الابتذال، وتركوا مسائل الاستثمار والإنفاق المفيد لهم ولمجتمعهم. ففي الخمسينيات من القرن المنصرم وحينما بدأت بعض ثمار الثروة الوطنية تتسرب إلى يد قطاعات أوسع من المواطنين انصرف بعض منهم في استهلاك غير عقلاني، وبذخ غير مبرر ليسهموا في رسم صورة نمطية للخليجي كبدوي يحمل زكائب من المال ولا يعرف كيف يصرفها. كان الخليجيون بشكل عام يعوضون قرونا من حياة قاسية، وتمادى البعض ليبذر وليصرف أموالا أحياناً على أعمال لا تؤدي جميعها إلى سمعة طيبة.
وبالطبع هناك أولويات. وأنا لست ضد بعض النشاطات المرتبطة بالحيوان الأقرب إلى النفسية الخليجية. وبأية حال فلربما كانت سباقات الهجن أجمل من سباق الكلاب الذي يقام بكثير من دول متقدمة ولربما كانت مزاينة الإبل أفضل بدورها من مسابقات لجمال القطط. ولكن للأمور أولويات، وشيء ينتج من شيء. ومجتمعات الخليج آخذة في التعقيد وسلوك سلم التحديث الذي يفتح الأبواب على احتياجات لا تحد، ومتطلبات يصعب تحديدها.
وعلى ذلك فبدل التفكير كثيراً والصرف بسخاء على اختراع راكبي نياق السباق، فلا يزال مجتمعنا محتاجاً للصرف على اكتشافات ترتبط أكثر بموارده الطبيعية، وحركة انتاجه، وسوقه التجارية ومتطلبات منازله المتزايدة، وحركة التحديث القائمة ليل نهار. وحتى نكون واقعيين أكثر فلربما تزامنت الأمور بمعنى أن يستمر الصرف على مثل تلك الرياضة، وأن تأخذ الجوانب الأخرى حقها أيضاً. فنحن بمجتمع سوق يفرض قوانينه، وما دام هناك طلب مدعوم بالمال على تربية الإبل، وسباق الهجن، ومزاينة النياق، فسيكون هناك عرض يقابل ذلك الطلب ويستجيب له.
بالطبع لن ينام الخليجيون ويصحون ليجدون أنفسهم محاطين بالرجال الآليين الذين يؤدون كل شيء، ولن يستيقظوا ليجدوا لمجتمعهم متسق الهوية. ولكن كل شيء يسهم بشيئ ويفتح باباً لشيء. ومشكلة هوية الخليج لن يحلها قانون وحيد، ولا حركة تسفير واسعة، ولا توعية مستمرة مجتمعية للسكان الأصليين، ولا استخدام واسع للآلات والرجال الآليين. وإنما المسألة تحتاج لجهد شامل وحركة مجتمع ودولة متكاملة وتعاون من الجميع واستعداد حقيقي للاستثمار الواعي بكل ما يدعم هذا الجهد ويتوجه نحو الهدف. واجتياز الميل يبدأ دائما بخطوة!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق