الاثنين، 16 مايو 2011

صناعة المتاحف الخاصة بعمان

ليست المتاحف الخاصة جديدة بعمان وإنما الجديد هو التحدث عنها وعن صناعتها بمجملها وآفاقها المستقبلية. فلقد تسنى لي فعلياً، بزيارات متفرقة لي لعمان، رؤية أربع مؤسسات خاصة على الأقل تحتفظ بمخطوطات وتعرض قطع أثرية.

والداعي للحديث الحالي بروز اتجاهين رئيسين أحدهما دولي والآخر خليجي يظهران نزوعاً نحو إقامة متاحف خاصة وحري بالإثنين أن يعززا إعادة النظر بواقع صناعة المتاحف الخاصة بعمان، واستكشاف آفاقها وإمكانية انتقالها من طور المبادرات الخاصة والمنفردة إلى رحاب الاحتراف.

فقبل سنتين لحظت مجلة الوول ستريت جورنال تزايد رغبة المتبرعين بالقطع الفنية لتأسيس متاحفهم الخاصة، بدل إعطاء اللوحات للمتاحف العامة. وقد أثار الاتجاه حينها ذعراً بأوساط القيّمين على المتاحف العامة لأن الرعاة  من كبار الرأسماليين والشركات والذين شكلوا مصدر تزويد منتظم وواسع للمتاحف بالمقتنيات باتوا يفضلون إنشاء مجموعاتهم الخاصة، واستحواذ قطع فنية لها. ولا تتمكن المتاحف العامة عادة من اقتناء تلك الأعمال لاعتمادها على ميزانياتها الحكومية ا لمحدودة. ويحتسب النظام الأميركي أية تبرعات خاصة تمنح لمؤسسات عامة بما فيها أعمال فنية للمتاحف كجزء من ضريبة الدخل. وعلى سبيل المثال ففي  2007 بلغت قيمة أعمال مُتبرع بها 607 مليون دولار أميركي. وبات أولئك الممولون يفضلون إثراء مجموعاتهم الخاصة، وإقامة متاحف مفتوحة للجمهور. وبالطبع تختلف أسباب وظروف الاتجاه هذا عن واقع عمان. ولكن الاتجاه قائم وملحوظ بأميركا.

والأقرب للظروف العمانية هو إعلان سعودي صدر قبل أيام بالترخيص لـ 70 متحفاً خاصاً بالمملكة. وقام رئيس هيئة السياحة والآثار السعودية الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز في 7 أيار (مايو) الجاري بافتتاح الملتقى الأول لأصحاب تلك المتاحف. ونشرت جريدة «الرياض» قرارات اللقاء وهي تفيد بقية الدول الخليجية.

دعى اللقاء لتأسيس جمعية لأصدقاء المتاحف ولجنة استشارية لأصحابها للتنسيق مع هيئة المتاحف الحكومية وتخصيص جائزة سنوية لأفضل متحف وانعقاد الملتقى سنوياً واحتضان المتاحف الخاصة بالقرى التراثية ومشاركة المتاحف بالفعاليات المختلفة. وأهاب اللقاء بتمثيل أصحاب المتاحف بمجالس التنمية السياحية وبالشراكة مع الجهات المحلية.

كما دعا اللقاء لتخصيص مرشدين سياحيين متطوعين ودراسة تقديم الهيئة لدعم مالي للمتاحف ومساعدتها للحصول على قروض والعمل على صيانة المقتنيات التراثية ومخاطبة وزارة الداخلية لحمايتها أمنياً. وأوصى اللقاء بتنظيم دورات تدريبية لأصحاب المتاحف ودعمهم في تصميم المطبوعات وتسويق متاحفهم وتنظيم مزادات على القطع الأثرية والتراثية وتنظيم معارض لتدوير ومقايضة القطع.

واقترح اللقاء تسجيل مقتنيات المتاحف وعمل أدلة لها وبيع منتجات الحرف اليدوية بها. وحث المجتمعون القطاع الخاص على دعم متاحفهم كمشروعات غير ربحية.

وبعيداً عن الأهمية الحضارية والوطنية لوجود المتاحف الخاصة تجدر الإشارة لجوانب اقتصادية متعلقة بالظاهرة. فيمكن لبروز مثل ذلك النشاط أن يشكل طلباً جديداً بسوق العمل، ويشغّل عمانيين هم الأكثر حظاً لنيل الوظيفة، شرط ألا يتحول المشروع لمالك محلي يشغل آسيويين يقومون بالأعمال المرهقة والصعبة. فهذا المجال يحتاج لخبرة وثقافة بالتراث العماني والفنون العمانية قديمها وحديثها. أي أن الخبرة العمانية ستكون هي الأفضل للعمل والأكثر استجابة لمتطلبات المشروع.

إن اقتناء قطع التراث القديمة وشراء منتجات الفنون الحديثة يصبح مع مرور الزمن، وإن لم يحسن التخطيط له عبئاً عملياً ومالياً. ولكن وبرؤية بصيرة يمكن أن يتحول لأمر مدر للدخل، وعامل توظيف لأفراد من الأسرة كانوا بحكم العاطلين عن العمل.

ويصب المشروع بتوجه عماني وخليجي لتنشيط دور  القطاع الخاص بدل التطلع دوماً للحكومة للقيام بالمشاريع. ومثل أية دولة لا تستطيع المتاحف الحكومية الاعتناء بكل التراث والفنون. فالتراث ضارب بالقِدم وواسع ويتزايد باستمرار. وأي اهتمام حكومي به سيعنى إقامة متاحف، وتوظيف طواقم، وتخصيص ميزانيات. ويمكن بإقناع القطاع الخاص، ودعمه أحياناً، اجتذابه لتحمل بعض مسؤولية المحافظة على تراث البلد واكتشاف مساحات جديدة من الثقافة العمانية المتطلبة للحفظ والصالحة للعرض والقابلة للتسويق.

بالطبع ليست الدعوة لإقامة المتاحف الخاصة دعوة معنوية فقط تحاول أن تجد في مبادرات القطاع الخاص وسيلة لتحمل بعض الجهد عن القطاع الحكومي، وبما يقع ضمن مسؤليات القطاع الخاص تجاه المجتمع. بل لا بد لبعض المتاحف وحين تكون مستعدة أن تتحول لمشاريع تجارية، أي تجعل دخول المشاهدين إليها لقاء رسم معين وأن توجد بين أرجائها ما يمكن أن تسوقه على المستهلك ويغطي جزءاً من الكلفة أولاً، وصولاً لتحقيق الأرباح. ويمكن للقطاع الخاص أن يدير تلك المؤسسات كجزء من خطة تنشيط السياحة في عمان، وكوسيلة لتعظيم الاستفادة من أعداد السياح الذين يريدون، بدورهم، أكثر من أي شيء وأكثر من أي وقت مضى وسائل تعظم الاستفادة من فترة وجودهم القصيرة في عمان. فطبيعة مثل هذا الطلب تتمثل في وجود رغبة للزائر لرؤية أكثر ما يمكن عن البلد التي يزور وبأسرع ما يمكن.

وعمان كانت حاضرة في التاريخ منذ البدء وبكافة امتداداته، ولا تزال وسائل عرضها لهذا التاريخ محدودة بحكم حداثة التطوير من ناحية، وقلة مشاركة القطاع الخاص بهذا الجهد. 

وكأي نشاط اقتصادي، فأثره على السوق يتجاوز الجوانب المباشرة. فللمتاحف احتياجات تبدأ بإيجاد بنيتها الأساس، وتستمر بدوام حضورها وتنامي عملها وبروز ضرورات الإعلام عنها والترويج لها، وبالتالي استمرار إنفاقها بالسوق، والذي سيعنى المساهمة بدوران عجلة الاقتصاد.

وأول الماء قطرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق