بين دول الخليج تحتفظ عمان بأكثر الرموز دلالة على إصرار خليجي فرنسي على إيجاد علاقة بينهما: «بيت فرنسا». وهو جهد تعثر على مدى ثلاثة قرون ونصف منذ رسو السفن الفرنسية الأولى في مسقط عام 1660.
مؤخراً أشار الأمين العام لاتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي عبدالرحيم نقي لازدياد حجم التبادل التجاري بين فرنسا ودول مجلس التعاون حيث بلغ 74.17 مليار دولار لعام 2009 بفائض 7.5 مليار دولار لصالح فرنسا. ويرتدي هذا الرقم أهمية حين مقارنته مع دول احتفظت على الدوام بحضور فرنسي قوي بها ابتدأ بسقوطها تحت الاستعمار الفرنسي واستمر بعد ذلك. ففرنسا تتاجر مع بلدان المغرب العربي بما قيمته 33.35 مليار دولار بفائض 2.9 مليار دولار لصالح فرنسا أيضاً. أما بقية الدول العربية فقد بلغ الحجم 9 مليار دولار وبفائض فرنسي قدره 2.6 مليار دولار.
وأورد نقي ذلك وسط إعلانه مؤخراً عن تنظيم الغرفة العربية الفرنسية والأمانة العامة لاتحاد غرف دول المجلس لمنتدى اقتصادي فرنسي خليجي ثان في باريس بين 27-28 تشرين الأول (أكتوبر) 2011، بحضور كبير تتقدمهم وزيرة التجارة الخارجية الإماراتية لبنى القاسمي والأمين العام لمجلس التعاون عبداللطيف الزياني وخليل الخنجي النائب الأول لرئيس الاتحاد ورئيس غرفة تجارة وصناعة عمان.
وسيبحث المنتدى بدور فرنسي في أمن الخليج الغذائي وتعاون الطرفين في الاستثمار والتجارة والتعليم والتدريب والتمويل الإسلامي لخدمة المبادلات والإستثمارات. وبنحو خاص سيبحث تشجيع الاستثمار في الطاقة بعمان والبحرين.
ومنذ سبعينيات القرن الماضي حين بدأ التفلت الخليجي من القبضة البريطانية تزايد الحضور الفرنسي بشكل غير مسبوق: ثقافياً واقتصادياً بل وحتى عسكرياً كما هو الحال في الإمارات العربية المتحدة.
وتصلح العلاقات العمانية الفرنسية مثلاً لما شهدته السنوات الأربعين الماضية من متغيرات علاقات الخليجيين بفرنسا مع اختلافات هنا أو هناك تبعاً لخصائص كل دولة منفردة. فقد عُيّن سفير غير مقيم لفرنسا لدى عُمان عام 1972 وبعدها بسنتين أعتمد أول سفير مقيم بمسقط.
وسريعاً ما شهدت العلاقات الفرنسية العمانية تعاوناً ثقافياً وتقنياً واسعاً. وتلته اتفاقيات للتعاون الاقتصادي أولها في 1982. وبعدها وسّع البلدان نطاق تعاونهما التقني ليشمل: الري وموارد المياه والجيولوجيا والإدارة العامة والسياحة والصحة وعلم الآثار والهندسة وغيرها. وتلا ذلك تأسيس لجنة مشتركة للتعاون الثقافي والتقني، وبعدها لجنة تعاون اقتصادي وصناعي في 1982.
وتعززت العلاقات بزيارتي قمة لجلالة السلطان قابوس لفرنسا في 1989 وللرئيس فرنسوا ميتران لعُمان في 1992.
وتستقبل الإمارات ربع الصادرات الفرنسية للشرق الأوسط وثلث الصادرات للخليج. ويشترك 5700 مصدِّر فرنسي في العملية 60% منهم ينتمون لشركات صغيرة ومتوسطة. ويشكل الفائض الفرنسي في ميزان التبادل التجاري بين البلدين رابع أكبر فائض فرنسي بالعالم. وتشكل 52% من الصادرات الفرنسية مواداً لمنتجين لاحقين. وهناك 250 شركة تابعة لشركات فرنسية موجودة بالإمارات والتي يقيم بها 10 آلاف فرنسي. وعلق الرئيس فرانسوا ساركوزي على تعاون الإمارات وفرنسا بأن الإمارات أصبحت وفي 30 سنة «الشريك الاقتصادي الأول لفرنسا بالشرق الأوسط بالمجالات الاقتصادية والعسكرية والثقافية.»
تحتاج فرنسا لعلاقاتها الخليجية لأسباب عدة. فبسبب الهيمنة البريطانية المديدة والحضور الأميركي المؤثر فقدت فرنسا مشاركة في إنتاج وتكرير النفط الخليجي وضُيّقت عليها أسواق الخليج وكادت أن تغيب سياسيا وعسكرياً عن منطقة ظلت تشكل إحدى أهم البقاع الاستراتيجية بآسيا. وبالمقابل تجد دول مجلس التعاون في علاقتها بفرنسا استشرافاً لتوازن بعلاقاتها الدولية في وقت ما يزال فيه أمنها هشاً وقدرات دفاعها الذاتية محفوفة بكثير من المخاطر. ومن الناحية الاقتصادية وبينما تتراجع المكانة المطلقة للاقتصاد الأميركي وتتزايد المديونية الحكومية الأميركية ويلف مستقبل الدولار الكثير من الغموض، تنتصب أوروبا ومنطقة اليورو وبمقدمتها فرنسا كخيار ملموس ولربما ضروري في الوضع الراهن وحتى يتبلور وضع دولي أكثر ديمقراطية واستقراراً. فالاقتصاد الأوروبي بعراقته واستقلاله النسبي عن السوق الأميركي وحيويته الحالية مرشح لأن يكون محطة مستقبلية ممكنة يجري أخذها بالاعتبار والجدال معها وسماع اقتراحتها فيما يخص عالم ما بعد القيادة الأميركية المطلقة والمتفردة.
فرنسا بدأت تعيد النظر جدياً في مكانة الخليج. وبدأت ترى في العلاقة معه آفاقاً جديدة. وبدأت الأوساط الثقافية والحضارية، وهي ذات تأثير بارز على العلاقات الخارجية الفرنسية تسبغ رؤى توسّع فيها من دائرة التشكل الحضاري. وبدأت بعض أجزاء من الانتلجنسيا الفرنسية تتحدث عن منطقة تتجاوز مدى المتوسط كفضاء للتفاعل الثقافي وتتحدث عن منطقة المتوسط والخليج. وشهدت العاصمة الفرنسية أكثر من لقاء تحت هذه المظلة. وتستحث فرنسا الخطى بشكل أسرع لتعوض ما تعتقد أنه قد فاتها في قرون سابقة ولذلك فهي تبذل جهودا ًأكبر من غيرها. وضمن ذلك يمكن أن ترى جهود جامعة الخليج العربي للتعاون مع جامعة ESSEC الفرنسية المتخصصة في إدارة الأعمال بعد إنشاء معهد فرنسي عربي للدراسات الإدارية والمالية بجامعة الخليج العربي وتدشين برنامج ماجستير متخصص بإدارة الأعمال عام 2007. بعدها كرست الجامعة الفرنسية الجهد للتعرف على الاحتياجات الاقتصادية لأسواق الخليج ليأتي البرنامج ملبياً لها. واستقر مشروع إقامة متحف اللوفر بأبوظبي ضمن برنامج لتطوير السياحة في الإمارة، وضمن رؤية استثمارية تتجاوز جهود التعاون الثقافي التقليدي بين الدول.
وتبقى محطة باريس القادمة لتشكل نقلة في التعاون بين باريس وعواصم الخليج في الاقتصاد، ولربما في مسائل أخرى أيضاً.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق