حدد خليل الخنجي كنائب رئيس لاتحاد غرف تجارة الخليج ورئيس غرفة عمان أسباباً ثمانية لمصاعب تكتنف الإعلام الاقتصادي المتخصص بالخليج. أولها: شحة الكوادر الوطنية المتخصصة اقتصادياً وصحافياً. ويضاف لذلك معاناة مؤسسات صحافية من حساسيات جهات اقتصادية بالدولة أو القطاع الخاص أو لتضارب مصالح المؤسسات وجهات معلنة. وثالث الأمور وجود فجوة بين الجامعات والصحافة فلا يتخرج إعلاميون متخصصون إلا قلة. وهناك افتقار للإحصائيات الدقيقة بالبلد الخليجي وتتضارب أحياناً. وخامس الأمور إهمال جمعيات الصحفيين للإعلام الاقتصادي. ويزيد من ذلك ضعف حوافز هذا القطاع الإعلامي. ويقابل تلك الأمور قلة تدريب بالقطاع. وخاتمة الأسباب ضعف الاستثمار في هذا الإعلام.
عرض الخنجي أسبابه الثمانية أمام ساسة وإعلاميين ورجال أعمال احتشدوا بأول منتدى للإعلام الخليجي عقد بالدمام الأسبوع الماضي لبحث كيفية الإعلاء من شأن إعلام اقتصادي محترف وصادق وغير منحاز، أو يجهد للوصول لتلك المستويات ويتجاوب مع متطلبات مرحلة اقتصادية جديدة تمر بها منطقة الخليج.
هذه وقفة غير مسبوقة. أن تكرّس جهات رسمية وقطاع خاص ندوة لتأكيد أهمية الإعلام الاقتصادي للتنمية في المجتمع. وهذه تسمية لطيفة ولبقة للقول بأن سياسيو الخليج باتوا بعد عقود من السنين مقتنعين بأهمية عقد شراكة مع المؤسسات الإعلامية، وعلى نحو التحديد هذه المرة مع المعنيين بالشأن الاقتصادي في وسائل الإعلام. فبعد سنين من سوء الفهم والشكوك السارية في الاتجاهين والعداء المتبادل يبدو أن اعترافاً بالحاجة المشتركة أصبح من وقائع الأمور بالخليج. والأمر يتأكد أيضاً بحق القطاع الخاص ومقياسه الأساس هو جني الأرباح. فلا يعرف عنه شدة حماس للاستثمار في صناعة الإعلام. ولربما، ولدقة الكلام، فالصناعة مكلفة وبها قدر كبير من المخاطر ولا تعد بكثير من الأرباح بالذات في بدء العمل. ثم أن تملك وسيلة إعلامية يأتي بمشاكل ووجع رأس ويؤثر على علاقات صاحب المؤسسة الإعلامية مع الحكومات وجهات الإعلان.
المهم أن الطرفين: الحكومات ورجال الأعمال باتا مقتنعين أن لتقدم تحقق بالخليج حدوداً لا يمكن تجاوزها إلا ببروز إعلام محلي محترف وناضج وحر ومتجرد ومحب لتقليب كافة الأحجار. بل وزاد الطلب وأصبح الآن الأمر متعلق بالإعلام الاقتصادي. والمسألة متصلة بكثير من الأحيان بقرارات تتخذها الطبقة الوسطى المتسعة أبداً والمالكة لأدوات تأثير ليس أقلها أن حالتها تنذر بحلول الأزمات، وتبشر بالتعافي. وهي تملك أموالاً لتستثمرها حيثما يتراءى لها مقنعاً، ولها ممارسة يمكن أن تطبع اتجاهات المجتمع الاقتصادية.
وللحكومات أيضاً أسباباً خاصة. فالإنفاق التقليدي لأموال النفط لم يعد كافياً لتحقيق التنمية ولدخول العصر الحديث دعك عن نوادي الدول المتقدمة. وكل هذا مهم في حسابات الساسة لضمان الاستقرار الداخلي واستقلالية اتخاذ القرار إزاء مراكز دولية. لا بد من اجتذاب أموال الاستثمار والإنفاق من كافة المصادر بما فيها أصحاب الدخول المحدودة بكل بلد على حدة. ولا يمكن أن يتم هذا إلا باستخدام وسائل إقناع نافذة. وهذا يقود لنفس طريق الشعور بالحاجة لإعلام اقتصادي محلي قوي ويحظى بثقة متلقيه وواسع الانتشار. وإلا فلدى الجمهور خيارات أخرى. ولقد كانت الظاهرة الأخيرة واضحة في كلمة وزير الإعلام السعودي عبدالعزيز خوجة أمام منتدى الدمام حيث استعاد فكرة تحول العالم بسبب العولمة وثورة المعلومات لـ «قرية كونية يتواصل أهلها بيسر.»
من هنا ينبع هذا الاهتمام بالإعلام الاقتصادي. فخوجة يذكّر مستمعيه بأن الظروف الاقتصادية التي مرت بالعالم في السنتين الأخيرتين، والتغيرات التي حدثت بمنطقة الخليج قد أدت لأن تصبح «برامج البورصة والأسواق المالية هي الأكثر متابعة ومشاهدة للشرائح المجتمعية المختلفة، وقفزت الأخبار والنشرات الاقتصادية لأعلى نسب المشاهدة في نسب المشاهدة.»
في أيام خوالي لم يكن المواطن شديد اهتمام بالشأن الاقتصادي مما انعكس على المؤسسات الإعلامية. ففي السابق يصلح أي عامل بالمؤسسة الصحفية للكتابة عن الاقتصاد. من يهتم؟ فلا علاقة بين الصحافة والاقتصاد والقرارات اليومية. الدولة تعيش من وراء النفط وأصحاب الإعلام لا يؤثرون على مصدر الدخل لا من وراء ولا من أمام. والناس تعيش من واردات النفط.
اختلف الوضع اليوم، فالفرد يبدأ يومه باطلاع على مبادلات البورصة وحالة الأسهم. فهو يملك ما زاد أو قل منها كاستثمار، وعليها يعتمد في قادم الأيام. وعليه أن يتخذ قرارات حول ما يملك أو ما سيملك تؤثر على مستقبله ومستقبل عائلته.
وكما قال الأكاديمي الكويتي سعد العجمي أنه لم يكن بعيداً أن يُكلف كاتب بالصفحة الرياضية بتغطية الأخبار الاقتصادية وبصفة خبير أيضا. وهذا أمر ناتج من مطبخ الصحافة وهي مسؤولة عنه.
طالب مسؤولون وأصحاب شركات منتدى الدمام بمساعدتهم بإعلام الجمهور عن شؤون الاقتصاد. ولكن الإعلام، إن عنى نقل وجهات النظر الرسمية بالدولة أم بالشركات هو أحد مهام السلطة الرابعة وليس بمهمتها الوحيدة أو الأساس. فواجبها الأشمل هو البحث دوما عن الحقيقة وإعلام المستهلك والمواطنيين بوقائع اقتصادهم وتنويرهم بأعمال حكوماتهم ومنظماتهم المدنية. وهي في ذلك لا تقتصر على وجهات نظر واحدة، بل تحاول أن توصل أكبر قدر من المعلومات للمستهلك ليتخذ أفضل القرارات وعن دراية. فهي بالأساس تريد إيصال الحقائق بتجرد وبدقة وشمول للجمهور الأوسع. وللوصول إلى ذلك هناك خطوات يجب المضي بها، وهي ما يعيدنا لشروط خليل الخنجي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق