الاثنين، 5 ديسمبر 2011

مركز السلطان قابوس الزراعي: التفوق العلمي والعملي

يمتزج في حديث الأستاذ المشارك في التربة والري بجامعة الخليج العربي أسد الله العجمي اعتزاز بإنجازات مركز السلطان قابوس للزراعة المتطورة، وطموح في أن يستفيد الخليجيون من تلك المنجزات على أكمل وجه.

وقبل أيام احتفل المركز بالذكرى العاشرة لتأسيسه في الجامعة بدعم من جلالة السلطان قابوس وهو يتخصص بالزراعة بدون تربة والمتلائمة وظروف منطقة الخليج بندرة مياهها وبتوسع عمراني بها قلص المساحات الزراعية.

ويهدف المركز العمل لبروز قطاع زراعي مستدام بمجلس التعاون كرافد للاقتصاد والأمن الغذائي بظل موارد طبيعية محدودة، وتوفير فرص عمل بالسوق.

يستهلك القطاع الزراعي بدول المجلس 65- 90% من الموارد المائية. وتمنع الزراعة بأوساط منطقة مقيدة تسرب المياه لأعماق تتجاوز استفادة النبات وتسمح بتدوير مياه الري الزائدة بإعادته للنبات. وتُؤمن حاجة النبات الغذائية بإذابة عناصر بخزان مياه الري بتراكيز حاجة النبات. وبذلك تُوفر نسبة مياه عالية وتُنتَج محاصيل خارج المواسم المعتادة وتُحسَّن الإنتاجية كماً ونوعاً، وزراعة محاصيل لا تسمح الظروف المناخية الخليجية بإنتاجها تقليدياً.

وسبق لمديرة مركز ماكاولي للأبحاث في اسكتلندا مارجريت جيل قبل عقد من الزمان أن حددت مواصفات معاهد الدراسات المتخصصة والممولة بمال عام بأنها بمثابة مؤسسات يحركها دافع تحملها لواجب إنجاز لمهمة، مقارنة بجهود بحثية للجامعات بشكل عام. وتختلف تلك المعاهد عن دوائر البحث والتطوير بالشركات لارتباط الأخيرة بالسعي لتحقيق الأرباح للشركة المعنية. فمعاهد الأبحاث العامة تتجه لبث العافية في الاقتصاد الوطني و/أو لتحقيق «الصالح العام.» وأحياناً يعبر عن ذلك بالسعي لما فيه خير الشعب والمحافظة على البيئة. ويرتبط بهذا السعي التمكن من إنشاء مركز للتفوق العلمي. ومعيار الوصول لذلك هو تحقيق مكانة عالمية معترف بها، والريادة بمجال البحث العلمي.

ويستجيب مركز جلالة السلطان قابوس لمعايير عدة طالما عانى منها البحث العلمي في المنطقة العربية. أولها: الإهمال الذي يعاني منه هذا الجهد في البيئة العربية، فتقليدياً ابتعد الجهد العلمي العربي عن البحث والإنفاق على أنشطة الريادة والاكتشاف. وبتزايد دور تلك الأنشطة بالعصر الحديث بالمجتمع البشري عموماً وبالاقتصاد خصوصاً اختارت المجتمعات العربية شراء منتجات العلوم والسلع المنبثقة من ممارسة الإبداع، واستهلاكها بدل الانغماس بالجهد ذاته وتحمل كلفه. ويسهم إنشاء مركز زراعة بدون تربة في الإعلاء من شأن الدراسات واستكشاف المجهول والاشتراك بجهود بشرية ما انفكت تترافق مع الحياة الإنسانية الحديثة.

الأمر الآخر هو ارتباط جهود المركز بمتطلبات منطقة الخليج واحتياجات سكانها الفعلية ومحاولة حل بعض ما لازم تطور الحياة بها من مصاعب تتعلق بالأحوال المناخية. فلطالما عُرِفت منطقة جزيرة العرب بالجدب والجفاف الذي كان يؤدي بسكانها أحياناً إلى مجاعات متواترة وحروب داخلية مستمرة. وإذا كانت مستويات البحث العلمي لم تصل إلى حد التحكم في الأمطار والتدخل في الجفاف المسيطر بحكم الموقع الجغرافي، فإن السيطرة على كميات المياه المتوفرة وإحكام استغلالها يشكل عنصراً أساساً في تعظيم استغلال المتاح منها. فالخليجيون الذي عاش أجدادهم وسط شحة مياه تؤثر حتى على ما يحتاجه الإنسان الفرد للشرب تمكنوا مع تزايد دخل دولهم من النفط من شراء تقنيات تحلية المياه، وإشاعة استخدامها وإن كان ذلك مكلفاً. وأي ترشيد في استخدام المياه وتقليل الهدر يسهم في تقليل كلف تنعكس على مناحي حياة المجتمع الأخرى وبمقدمتها الاقتصاد.

على أن ما يحاوله المركز هو أمر يتعلق بشأن استراتيجي وهو مخاطبة القلق حول الأمن الغذائي لشعوب المنطقة. فالظروف المناخية حرمت منطقة الخليج من زراعة غذائها بنفسها، وعرّضتها للمخاوف من تأثر ضمان استمرار حصولها على الغذاء من خارجها بالمخاطر وبالذات في الأوقات الصعبة. وحتى إن ضمن الغذاء وتوافره تبرز مسألة كلف الحصول عليه بأسعار مناسبة.

وأي مما يسهم في حل هذا المشكل الاستراتيجي، وبغض النظر عن حجم الإسهام، يُعين على توفير الأمن ويفتح طرقاً عملية للاستجابة لهذه الضرورة.

ويقدم مركز السلطان قابوس علماً نافعاً ينضوي تحت ما يسمى حديثاً بالعلوم التطبيقية. وهو يتيح الاستفادة من نتائج عمله للمؤسسات والأفراد. بل إن واقع الأمر يشير إلى أن أفرادا عديدين في البحرين، مقر الجامعة والمركز، باتوا يقومون بتجارب في منازلهم للاستفادة من نتائجه. وينشر المركز على موقع الجامعة مواعيد عقد دورات للراغبين باستخدام تقنيات الزراعة بدون تربة لزراعة المحاصيل المختلفة (خضروات، وأزهار قطف، وأزهار موسمية، ونباتات زينة) من المهتمين بالزراعة والفنيين الزراعيين وهواة الحدائق المنزلية والزراعة بشكل عام.

بقي التحدي الأكبر للمركز هو نيله لمكانة مركز عالمي للتفوق العلمي. ويتحقق ذلك عبر تواتر اكتشافاته الريادية، وتسنمه لمركز متقدم بالعالم في مجال اختصاصه وعبر تشييده لشبكة علاقات مع مراكز التفوق العلمي بالعالم، وبارتباط عمله بالدراسة الأكاديمية ومنح الشهادات بحيث يتمكن من جذب أجيال جديدة من عقول خليجية شابة ومبدعة وتؤسِّس لبيئة متجددة من الملكات الخلاقة التي تنشئ ممارسة جديدة تربط ما بين العلم والعمل، وبين الاستثمار الاجتماعي في مثل هذه الجهود بارتباطها بالجدوى الاقتصادية وبالسوق وشبكة الإنتاج في منطقة الخليج.

يبقى القول بأن المركز يعمل تحت مظلة جامعة الخليج العربي، وهي إحدى أفضل استثمارات دول الخليج العربي مشتركة. وهو بذلك يشير ضمن ما يشير إلى أهمية وفعالية الجهود المشتركة مقارنة بالجهود الفردية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق