الاثنين، 19 ديسمبر 2011

الخدمات الصحية: إحصائيات الحال والمال

ارتفع معدل عمر العماني من 42.3 سنة عام 1960 إلى 73 سنة عام  2009. وهكذا زاد طول حياته في نصف قرن بنسبة 73%. ويتفق هذا التطور مع خط بياني صاعد مر ويمر به مواطنو دول مجلس التعاون بحسب تقرير مكرس للخدمات الصحية نشره مصرف ألبن كابيتال. ويورد التقرير أن اقتصادات الخليج بمدخول الفرد المرتفع بها وبتزايد عدد سكان دوله قد شهدت تحسناً منتظماً في مؤشرات قياس مستوى الخدمات الصحية. على أن ذلك ترافق مع  ارتفاع نسبة انتشار أمراض مستعصية مثل السكري والبدانة بالتوازي مع تزايد الدخل الفردي وركون السكان لحياة الاستقرار. توسع مقدار الإنفاق الكلي على العناية الصحية بدول المجلس بحسب معدل النمو السنوي المركب بنسبة 13.7%  خلال عامي 2007-2009. ورغم أن القسم الأكبر من هذا الإنفاق (70% من الصرف الكلي) قد أتى من مصادر حكومية بالخليج إلا أن إنفاق مؤسسات خاصة تزايد في السنوات الأخيرة.

ولقد أدى ازدياد الاستثمار في مجال العناية الطبية بقطاعيه الحكومي والخاص إلى تحسين البنية التحتية في دول مجلس التعاون. ولكن مستويات تلك الخدمات ومقادير الإنفاق لا تزال، بحسب التقرير، متخلفة عن مثيلاتها بمقاييس الأسواق المتطورة. فنسبة الإنفاق على العناية الصحية على الفرد وكجزء من الإنتاج المحلي الكلي تستمر متخلفة عن مقادير مقابلة بالدول المتطورة. وتقدر منظمة الصحة العالمية أن الصرف السنوي على صحة الفرد قد بلغ عام 2008 بالأمريكيتين 2902 دولار أميركي و2283 دولار لأوروبا و154 دولار لشرق المتوسط و83 دولار بأميركا و47 دولار بجنوب شرق آسيا. وبتفصيل أكبر فإن دول مجلس التعاون تصرف 895 دولار وهو يقل عن إنفاق المملكة المتحدة البالغ 3285 دولار و4629 دولار بألمانيا و7410 دولار بالولايات المتحدة. ويستقر المعدل الدولي عند 864 دولار.

وحين قياس نسبة الصرف من الناتج الإجمالي المحلي يصل ذلك الصرف في دول مجلس التعاون إلى نسبة 3.8% وهي نسبة تقل عن المعدل العالمي البالغ 10% و9.3% في المملكة المتحدة و16.2% للولايات المتحدة.

ويستثير التقرير الحديث عن أربع مسائل.

أولها أن فكرة أساس تنتظم جوانبه وهي أنه ورغم الأزمة العالمية إلا أن قطاع الخدمات الصحية لم يتأثر كثيراً بالأزمة واستمر يعكس طلباً متنامياً وجاذباً لمزيد من الاستثمارات. ويمكن للإنفاق على الصحة والتأمين الصحي أن يكون محركاً آخر ومعترفاً بجاذبيته وجدواه وسط اقتصاد ما انفكت دوائر مالية خارج الخليج تكرر بأنه يعاني من أزمات.

وحين يقارن التقرير مستويات الإنفاق على الصحة بالخليج مع مثيلاتها بالدول المتطورة يستنتج بأنه مستويات الخدمات الصحية متقدمة خليجياً ولكنها تتراجع أمام مستويات إنفاق بدول متطورة. ومثل هذه المقارنات باتت تحتاج إلى انتباه وأخذ بالحذر حين استخدامها. فلم تعد الاقتصادات الغربية تقدم خدمات تعتبر مؤشرات مطلقة. فمستويات التضخم الكبيرة بالاقتصادات المتطورة، وقِدمَ هياكل تقديم العناية الصحية وقواعد القوانين المنظمة لتلك العناية يحيط أمر استخدامها كمعايير بتساؤلات كثيرة.

وثالث الأمور أنه ينبغي التفكير بين الخدمات الصحية المقدمة وقياسها عمودياً وأفقياً. فمن ناحية تواجد الخبرات العلاجية وعمق المعرفة الطبية لا تزال دول الاقتصادات المتطورة في مقدمة العالم في جوانب خدمات كثيرة. أي إن المعرفة الطبية وخبرات العلاج المتراكمة لا تزال بالبلدان المتطورة. ولكن تقديم الخدمات وانتشارها أفقياً وسط الساعين إليها مسألة فيها نظر. فبينما يتراجع مستوى خدمات مؤسسة الرعاية الطبية الحكومية الأساس في بريطانيا يعاني نظام التأمين الصحي الأميركي من نواحي عجز ونواقص. وتأتي محاولات أوباما الأخيرة لمواجهة نواقص عانى منها الأميركيون لعقود وبالذات الفقراء ومتوسطي الحال منهم. والقصد في الموضوع أن ليس كل ما في أنظمة بلدان الاقتصادات المتطورة يصلح لاقتفائه أو تبنيه في بلدان أخرى وبينها دول مجلس التعاون. إن تجارباً تجري حالياً في الهند مثلاً، وتحقق التأمين الصحي لقطاعات عريضة من ذوي الدخل المتدني باتباع وسائل تشبه ما اتبعه بنك الفقراء (جرامين) لمؤسسه محمد يونس. وبحسب ذلك التأمين يمكن لقطاعات أوسع أن تتلقى عناية طبية أفضل عبر دفعها لأقساط متناهية الصغر.

ورابع تلك الأمور ضرورة الإعلاء من أهمية البحث الطبي وتوجيه المدن الطبية الناشئة لتكون مراكز تفوق علمي. فلقد بات متوجباً على دول الخليج أن تسعى لتملك نتائج البحث العلمي ليس بشرائها وإنما بخلقها على واكتشافها يد طواقمها. ويمكن للدول الخليجية المراكمة على تاريخ سابق لها في مجال البحث العلمي الطبي. فإلى قبل عقدين من الزمان كانت مكتبة كلية الطب بجامعة كيمبريدج تقتني، من ضمن مجلات طبية أجنبية، المجلة الطبية السعودية لمستوى الأبحاث المقدمة بها وفائدتها للجسم الطبي العامل في بريطانيا. وأضيف لهذا الإنجاز وجود مستشفى الملك فيصل التخصصي ومستوى الأبحاث القائمة به وممارسته الريادية في بعض المجالات (كفصل التوائم السيامية مثلاً). وحيث أن الدول الخليجية قد أخذت بمبدأ فتح مدن طبية مرتبطة بالمستشفيات الجامعية فإن من المناسب أن تعتني بالبحث العلمي ودعم ذلك بالميزانيات اللازمة.

يبقى القول إن الخدمات الصحية أصبحت صناعة كاملة تنفع في العالم الحديث لمدواة الحال وتدر المال، وتجاوزت ما كانت تقدمه الحكومات كجزء من واجباتها للمجتمع. كما أن تنامي مدخول الفرد مكن المجتمع من إيجاد طلب يضاف إلى الطلب الحكومي ويستدعي اهتمام القطاع الخاص.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق